استكلبت فيه المادية، وأطل غولها المفزع بوجهه الكئيب على كل مرفق من مرافق الفكر، والمقومات الإنسانية، فإذا الوجودية والشيوعية واللادينية والانفعال الحيواني المخيف، يغزو الشباب والشيب، ويتحكم في مقدرات الحياة والتثقيف والسلوك ويوجهها إلى أسفل وأسفل، في غفلة الجهد والتهاب المعاش، وكان لا بد من ناقوس يدق فينبه إلى الخطر الراصد خلف هذه الغفلة التي لا تحيا المادية إلا في ظلالها، ولا ينتشر الإلحاد والردة الروحية إلا من خلفها، ومن بعد ذلك الطوفان! كل هذا كان الأصل في استصدار تفسير الخطيب المكي سهلًا قريب المنال متناسقًا مع مطلب العصر، بعيدًا عن مألوف المفسرين في كثير من التقاليد والاتجاهات، موزعًا بغير مقابل لذات الله عنده حسن الثواب؟
وكتب فضيلة العلامة الحافظ حسن عبد العزيز البغدادي من علماء الجزائر يقول:
لقد أطلتم النفس في بسط الحجج وجلب الأدلة بإفاضة وإسهاب إثباتًا للفكرة ودفاعًا عما ذهبتم إليه من رأيكم المستجد في تفسير الآيات الكريمة التي جعلتم الضمير فيها يعود إلى اسم الموصول خلاف المتبادر من فهم كلام العرب وما فهمه السلف والخلف قديمًا وحديثًا من أدنى عربي إلى أفصح من نطق بالضاد وذلك بصرف النظر عن أقوال المفسرين ومؤسسي القواعد والاصطلاحات المحدثة في أئمة اللغة وأساطين البيان. أما العقيدة التي دافعتم عن إثباتها من عدالة الله وإثبات مشيئة عبده في الكسب والاختيار من غير قهر ولا إجبار ومن دون أي حيف أو ظلم فهذه العقيدة والحمد لله منصوص عليها في مواطن متعددة من التنزيل مبثوثة في سوره وآياته فتبارك الله أحسن الخالقين وتنزه أحكم الحاكمين قضاءً وعدلًا فنعمت العقيدة الوسطى لا