بعد أن بين الله عظيم شأن الطاعة وارتباطها بالإيمان وأوضح السبب في وجوب طاعة الرسول إلى جانب طاعة الله ونفي الإيمان عن من لا يرضى بحكمه عن طيب نفسه أخذ سبحانه وتعالى يشير إلى أن ما دعاهم إليه من الأحكام لم يكن بالأمر العسير ففيه منتهى التسامح والتيسير وضمان مصلحة الفرد والجماعة وفيه من الفوائد العظمى المعقولة ما لا يدرك إلا بتدبرها ومباشرتها وهذا فضل منه سبحانه وتعالى أو أنه يعلم أنها لو كانت شديدة وقاسية أو كانت غير معقولة المعنى لمن يتدبرها لأعرضوا عنها ولذا قال تعالى: {ولو أنا كتبنا عليهم} في الكتاب من تلك الأحكام {أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم} لعز على نفوسهم قبول تلك الأحكام، ولقالوا: لم تؤمر بهذه الأحكام الشاقة من القتل والتعذيب ونحن لم نقترف ذنبًا وأي مصلحة في هذا والنتيجة المنتظرة لذلك هي أنهم {ما فعلوه} أي: الحكم المأمور به من هذا القبيل اللهم {إلا قليل} وقرئ «قليلًا» {منهم} ممن تمكن الإيمان في قلوبهم فآثروا رضاء الله على حظوظهم وشهواتهم {ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به} من الأوامر والنواهي التي لم تصدر إلا لمصلحة الناس وضمان سعادتهم ممن هو أدرى بما يضرهم وما ينفعهم من غير بحث أسبابها وفوائدها {لكان خيرًا لهم} في دنياهم وآخرتهم {وأشد تثبيتًا} واقتناعًا بثبوتها عن تجارب ويقين ثابت لا يتزعزع، فالمؤمن المأمور بالمساهمة في أعمال الخير وبذلك الأموال في سبيل الله إذا التزم ذلك وعصى الشيطان الداعي إلى البخل لا بد وأن ينال ثمرة عمله ويتذوق ما في الإحسان إلى الغير من لذة تجعله يزيد يقينًا في الحكمة الإلهية التي من أجلها شرع الإحسان فيعظم تعلقه به وحرصه عليه وهكذا المؤمن المأمور بتجنب الخمر مثلًا إذا رأى ما يرتكبه السكير من إثم من غير قصد والمؤمن المأمور يترك المقامرة إذا رأى ما يتعرض له المقامر في كثير من الأحيان من