الذي أنزل عليهم واتخذوه هاديًا لهم في الحياة الدنيا وشعروا بعزة الله فعملوا على رفع رايته وإعلاء كلمته وإقامة شريعته {ومنهم من صد عنه} وتجاهل أحكامه فلم يشعر بعزة الله ولم يؤمن بوعده له بالنصر فتقاعس عن الواجبات وانصرف إلى الملذات وطلب العزة والجاه من غير الله فباء بالفشل والذل والمهانة {وكفى بجهنم} في عذاب هؤلاء الكفار المتقدمين والمتأخرين {سعيرًا} أي أن يكونوا وقودًا بها.
وعلى ذكر ما توعد الله به أولئك الذين لم يؤمنوا بما آتاهم الله من الكتاب وصدوا عنه بقوله: {وكفى بجهنم سعيرًا} أخذ جل وعلا يبين لهم مصيرهم بقوله {إن الذين كفروا بآياتنا} من الكتاب والحكمة وأنكروا الرسالة والنبوة {سوف نصليهم} (سوف) إنما تدخل على الأفعال بمعنى التأخير وهذا يدل على أن توعد الله الكافرين إنما هو في يوم القيامة لا في الحياة الدنيا التي وعدهم جل وعلا فيها أن يمد لهم مدًّا ويغدق عليهم من النعم على قدر جهدهم واجتهادهم {نارًا} ولما كانت النار من شأنها أن تنضج الشيء وتفنيه فلم يعد له أثر ولا يحس بها من يلقى فيها إلا عندما تمس جسده ثم تزهق روحه فلم يعد يتألم منها أيد الله هذه الحقيقة من طبيعة النار ولكن أشار إلى اختلاف الحال بالنسبة لطبيعة البشر فهم من هذه الحياة إنما يعيشون بأجسامهم فإذا فنيت زال عنهم العذاب بخلاف الحال في الآخرة فإنهم يعيشون فيها بنفوسهم التي ستبقى خالدة لا ينتابها الموت وأجسامهم التابعة لها والتي تتأثر بحرارة النار عادة حتى تنضج ثم تعود سيرتها ثانية ولذا قال: {كلما نضجت جلودهم} وذابت بتأثير النار {بدلناهم جلودًا غيرها} لها قوة الإحسان بحرارة النار {ليذوقوا العذاب} ليكون الألم مستمرًا دائمًا في الجلد والنفس المتحدين في الشعور بالنعيم والعذاب لأن الحكم قد