الصفحة 484 من 1760

أو من قبل أن تنفذ فيهم سنن الله في الكون التي تقضي بأن من يحاول خديعة الله واتخاذ الحيل للتحرر من عقابه فجزاءه أن يسقط عن درجة الكمال الإنساني إلى مستوى القردة الذي فقدوا صفات النبل والشهامة وتجردوا عن مزايا الإنسانية {وكان أمر الله} الذي قضت به مشيئته في خلقه بمقتضى بنظام قضائه وقدره أمرًا {مفعولًا} لا بد أن يكون وإنما تبعة ذلك عائدة عليهم وقد قال تعالى وصفًا لهذه العقوبة في الآية السابقة: {فجعلناها نكالًا لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين} أي عبرة لكل من يتخذ الحيل وسيلة الإفلات من أمر ربه ويحسب أنها تنجيه من عقابه.

لقد دعا الله الذين أوتوا الكتاب إلى الإيمان بما أنزل على رسوله مصدقًا لما معهم وهو القسم الخاص بأصول الدين وأركانه ولما كان القرآن مشتملًا على أحكام أخرى غير العقائد من الأمور التعبدية والأحكام الفرعية المختلفة التي لم تكن في الكتب السابقة أراد تعالى أن يستجلب قلوب العباد أولًا إلى ما كان متفقًا عليه في سائر الكتب المنزلة من التوحيد الخالص فقال: {إن الله لا يغفر أن يشرك به} بإثبات أي سلطة أو تأثير وراء الأسباب والسنن الكونية لأحد غير الله لما في هذا الشرك من تطاول على مقام الألوهية وجحود انفراد الله بالسلطة العليا فوق كل شيء وهذا من شأنه أن يحمل الإنسان على أن يساوي بين الله وغيره في الحقوق والواجبات ويؤدي إلى سخط الله وعدم مغفرته لتلك الجريمة النكراء {ويغفر ما دون ذلك} من سائر المعاصي {لمن شاء} المغفرة من العباد بطلبها واتباع السنن المؤدية إليها وفي مقدمتها الإيمان بالله ثم التوبة والندم على اقتراف السيئات والعزم على عدم العودة والعمل على تجنبها {ومن يشرك بالله فقد افترى إثمًا مبينًا} أي: وإنما امتنع غفران الله لذنب الشرك من دون باقي الذنوب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت