بعد أن أخبر الله في الآية السابقة أنه تعالى قد لعن اليهود بسبب كفرهم وأنهم لا يؤمنون إلا قليلًا منهم عاد فوجه الخطاب إلى ذلك النفر القليل الذين لم تكن لهم يد في التبديل والتحريف أو كانوا سليمي النية منهم ومن غيرهم من الأمم فقال: {يا أيها الذين أوتوا الكتاب} أي يا من نزل عليهم من ربهم كتاب من كافة الأمم على ألسنة أنبيائهم {آمنوا بما نزلنا} الآن على عبدنا ورسولنا محمد من كتاب هو القرآن إذ أنه لم يكن إلا {مصدقًا لما معكم} من الكتب التي تقدسونها فإنه يتفق معها في أصول الدين وأركانه التي هي المقصد الأول من رسائل جميع الرسل فهو يأمر بالإيمان الذي تأمر جميع الكتب السابقة بالإيمان به وإخلاص العبادة له وتجنب الشرك به كما أنه يعترف برسالة سائر الرسل وكتبهم ولا يجحد نزولها من قبل الله وإنما يزيد عليها ببعض أحكام فرعية اقتضتها سنة الله بحسب نظام التدرج وارتقاء الأفكار فلا تترددوا في قبول ما جاء به وعجلوا بالإقبال عليه والعمل بما فيه {من قبل أن نطمس وجوها} الطمس إزالة الأثر بالمحو والوجوه جمع وجه وهو ما يبدوا للناظر من البدن أو من كل شيء أي من قبل أن يأتي ذلك اليوم الذي تحمى فيه الآثار الظاهرة ولا يقبل فيه من أحدكم عمل {فنردها على أدبارها} الأدبار: جمع دبر وهو من كل شيء مؤخرته وعقبه أي فنرجعها ونحيلها إلى عواقب أعماقها السابقة {أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت} الذين نهوا عن صيد الحيتان في يوم السبت فاتخذوا من الحيل على الله ما يجعلهم في حل من ذلك النهي مع الوصول إلى سبيل يحققون به شهواتهم في نفس الوقت إذ حبسوا الحيتان في بحيرة في ذلك اليوم ثم صادوه بعده وقد وضح الله طريقة لعنه لأولئك القوم بقوله تعالى في آية سابقة ـ فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين ـ والمعنى أن الإيمان مطلوب منهم منقبل أن يفاجئوا بذلك اليوم المنتظر الذي يبطل فيه مفعول الأعمال ويقفل باب التوبة