لقد أشار الله في الآية السابقة إلى حكمة جليلة من حكم التشريع الإلهي وهي أن العبرة في العبادات بمقاصدها لا بمظاهرها ولذلك نهي عن الأخذ بأسباب الصلاة إذا لم يكن الإنسان مستعدًّا لتحقيق الغرض منها بالعلم بما يقوله فيها كما أنه لم يشترط استعمال الماء للوضوء والغسل في حال قيام المانع وأمر بالعدول عن ذلك إلى استعمال التراب لنتفي بذلك ما قد يتوهم من أن القصد منهما هو مجرد النظافة ليفهم الناس بأن الغاية الحقيقية من الوضوء أو الغسل إنما هي طاعة الله والخضوع لأوامره وهي تتحقق فيما أشار إليه تعالى من التيمم لما فيه من تغبير الوجه واليدين ابتغاء مرضاة الله وقد أراد الله من عباده أن يحرصوا على توخي الإخلاص والطاعة في كل ما يؤمرون به فنبه رسوله إلى ما وصلت إليه حالة اليهود في عصره نتيجة نظرهم إلى حرفية الأحكام دون مقاصدها وما أدخلوه عليها من تأويل وتبديل فقال تعالى: {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب} من اليهود الذين حرفوا أو بدلوا ما جاء في التوراة ولذا قال: {أوتوا نصيبًا من الكتاب} إشارة إلى ما أضاعوه منها أو تجاهلوا أمره وهو موجود بنصه عندهم {يشترون الضلالة} من حق التحليل والتحريم عن طريق التلاعب في مقاصد الشريعة بحسب أهوائهم {ويريدون أن يضلوا السبيل} بمحاولتهم إقناع البسطاء من الناس بأن الحق معهم وأن ما جاؤوا به من التأويل موافق للصواب {والله أعلم بأعدائكم} منهم ومن أنصارهم من المنافقين الذين تظنون أنهم منكم وما هم منكم أو الذين يكيدون للإسلام بما يحاولون إدخاله فيه من عبادات ما أنزل الله بها من سلطان {وكفى بالله وليًّا} يتولى شئونكم بإرشاكم إلى ما فيه خيركم وهديكم إلى أقوم الطرق {وكفى بالله نصيرًا} لكم على أعدائكم بما يؤيدكم به توفيق للعمل بأسباب النصر الحقيقية من الاتحاد والتعاون والأخذ بأسباب القوة والاستعداد للحرب مع الثقة الكاملة بالله