أعده الله للثواب والعقاب إذ و كان المرء مؤمنًا بذلك اليوم حقًّا من قلبه لما آثر السعة في الدنيا عن نعيم الآخرة فهو بهذا يعد واثقًا بما عند الناس أكثر من ثقته بما عند الله {ومن يكن الشيطان} الذي كان أول المختالين الفخورين {له قرينًا} مصاحبًا {فساء قرينًا} لأنه يزين له من السيئات ما كان سببًا لغضب الله عليه وحلول نقمته به {وماذا عليهم} المختالين والفخورين أي: وماذا كان يصيبهم من ضرر {لو آمنوا بالله} خالقهم ومصدر نعمهم ليستأصلوا بذلك شانة الغرور من نفوسهم {واليوم والآخر} وما فيه من مختلف النعم وأنواع العذاب ليخلصوا أعمالهم لله بدلًا من الرياء الذي لا يفيدهم شيئًا {وأنفقوا مما رزقهم الله} نتيجة لذلك الإيمان بالله واليوم الآخر {وكان الله بهم عليمًا} أي: وكفاهم في هذا علم الله بأعمالهم ونواياهم وهو الذي لا يضيع عمل عامل أو ينقص من أجره شيئًا.
لقد أمر الله عباده من أول هذه السورة بتقواه وشرع لهم من النظم والأحكام في كثير من المعاملات الشخصية ما يصلح أحوالهم ويضمن سعادتهم وهناءتهم وبين لهم ما يترتب على تنفيذهم لتلك الأنظمة من نجاح في الدنيا وحسن جزاء في الآخرة وحمّلهم تبعة أعمالهم في حالة التقصير أو المخالفة وأكد لهم سبحانه وتعالى من بداءة الأمر بأنه سيكون رقيبًا على جميع تصرفاتهم ولما أن دعاهم إلى إصلاح قلوبهم أكد لهم أيضًا سبحانه أنه عليم بهم فلا يخفى عليه شيء من أمرهم ونتيجة لهذا العلم أخبرهم بما يقتضيه عدله ورحمته بالنسبة لأعمالهم فقال: {إن الله} في حكمه بين العباد {لا يظلم} أحدًا من الناس مؤمنًا كان أو كافرًا في أي عمل يعمله في الحياة ولو كان بالغًا في الصغر {مثقال ذرة} وهي أصغر أنواع المادة أو الجزء الذي لا يتجزأ ذلك لأن الظلم لا يكون