بما شاء وبهذا تنحصر الآمال كلها في الله خالق الخلق تتوق الغايات حول رضاه وينتفي استحقاق العبادة والحب من أحد سواه ويصبح الله محبوب الجميع الواجب الإجلال والطاعة وليس لغيره من الفضل ما يستحق عليه الشكر إلا في حد ما أذن الله به مما يكون سبيلًا لتوفر الثقة بين الإنسان وأخيه الإنسان ليتعاون الجميع في مضمار الحياة لعمار هذا الكون واستكمال أسباب السعادة فيه وسبيل ذلك هو التزام جانب الإحسان إلى الجميع ولما كان الناس متفاوتين في الدرجات جعل الله الوالدين في المكانة الأولى حيث قال: {وبالوالدين إحسانًا} أي ليحسن كل واحد إلى والدية إحسانًا تامًا يستطيع كل فرد أن يكيفه في نفسه حسب ما يحب من أولاده أن يعاملوه به وبما يعلم أنه يدخل به السرور إلى قلبيهما وقد بدأ بذكرهما أولًا لما لهما عليه من حقوق إذا عرف المرء كيف يؤدي واجبهما نال ثقتهما وضمن عطفهما عليه وتأييدهما له في كل أمر وأقام البرهان العملي على أنه من حافظي الجميل وهذا من شأنه أن يحمل الناس على الثقة به ويكون له أثره في مستقبل حياته وجعل الله في الدرجة الثانية الأقارب حيث قال: {وبذي القربى} أي: ليحسن كل فرد إلى أقاربه سواء كانوا عن طريق النسب أو الرضاعة أو الرحم الأقرب فالأقرب ليحصل بذلك على ثقة من هم أشد ارتباطًا به فتسمو منزلته ويكون موضع تقدير الجميع واحترامهم ويأتي في الدرجة الثالثة ضعاف الناس حيث قال تعالى: {واليتامى والمساكين} هذه الطبقة التي تنشأ عادة على الجهل ونقص التربية لا يمكن أن تناول ثقتها بالغطرسة والعنف وإنما تستعبد بالإحسان وحسن المعاملة ومكارم الأخلاق ولذا قدمها تعالى على من سيذكر فيما بعد قوله {والجار} بكسر الراء وقرئ بفتحها {ذي القربى} من عشيرتك وقومك الأدنين {والجار الجنب} جارك من غير قومك فمن حق هؤلاء عليك أن تفرح لفرحهم وتتألم لألمهم وتشاطرهم الهموم