بعد أن عالج الله جل وعلا أهم مشكلة من مشاكل الحياة وهي مشكلة تنازع السلطة بين الرجل والمرأة الذين يتكون منهما بناء صرح الأسرة بما أثبته من حق قيام الرجل على المرأة وتنظيم علاقتها به على أساس الطاعة وحفظ الحقوق أخذ يضع الأساس لصلاح حال المجتمع بأسره فأشار سبحانه إلى أن سعادة الناس لا تقوم إلا على أساس تبادل الثقة بين العبد وربه أولًا، وبينه وبين إخوانه في الإنسانية ثانيًا. ووصف لنا عز شأنه السبيل العملي إلى هذا بما أوجبه على العباد من الإيمان الكامل بالله المشتمل على موجب وسالب أو إثبات ونفي.
فأما الأول فهو قوله: {واعبدوا الله} والعبادة أساسها معرفة الله والإذعان له بالسلطان المطلق والقدرة الكاملة ودليلها اللجوء إليه بالدعاء وامتثال أوامره واجتناب نواهيه والتقرب إليه بصالح الأعمال.
وأما الثاني: فهو قوله: {ولا تشركوا به شيئًا} أي: لا تثبتوا في سركم لغيره سلطة غيبية أو قدرة خفية على كشف الضر أو قضاء الحوائج حتى ولو عن طريق الوساطة أو الشفاعة إذ النفع والضر لا يكون إلا من الله وحده بما انفرد به من الهيمنة على عبادة وما وضعه في خلقه من الخواص وما سنه من السنن، وارتباط الأسباب بالمسببات والشفاعة لا تكون إلا بإذن منه، وهو أجل من أن يكون له صاحبة أو ولد أو وسيط أو شفيع وإن في رسوخ هذه العقيدة في القلوب ما يجعلها قوية الثقة بالله خالقها وهاديها، وما الناس إلا عمالًا في حقل هذه الحياة الدنيا يولدون ويموتون ويزرعون ويحصدون ويعمل الجميع في مختلف النواحي بما وضع الله فيهم من قوة وما يسره لهم من أسباب لينال كل فرد من رزق الله الذي أوجد كل شيء من العدم واختص كل من في الوجود