الصفحة 444 من 1760

منسوخ بما ورد في سورة النور من حد الزنا. وقال مجاهد وهو من أكابر المفسرين بأن المراد بالفاحشة هنا السحاق واللواط، واختار هذا القول أبو مسلم الأصفهاني فقال إن قوله تعالى: {واللاتي يأتين الفاحشة} مخصوص بالنساء والمراد بهن السحاقات، وحدّهن الحبس إلى الموت، وقوله: {واللذان يأتيانها منكم} مخصوص بالمرد دون البلوغ في أهل اللواط وحدُّهما الأذى بالقول والفعل، وأما المراد بالآية المذكورة في سورة النور فهو الزنا بين الرجل والمرأة، وحدّه في البكر الجلد وفي المحصن أو المحصنة الرجم. وبهذا يكون حكم كل آية منها باقيًا ومقررًا ولا يحتاج إلى إلتزام النسخ فكان هذا القول أولى ولهذا اخترته في التفسير، والله أعلم. أما مرتكب اللواط من الرجال البلغ فقد أضاف إلى جريمة الزنا ارتكاب ما حرم الله من إتيان طريق غير مشروع، ولذلك أجمع الأئمة الثلاث على أن حدّه حد الزنا، وذهب أبو حنيفة رحمه الله إلى أن حد اللواط أن يوثق مرتكبه ويلقي به من أعلى شاهق زيادة في التنكيل والجزاء حيث إن الذي يفعل هذه الفاحشة إنما قد تردى إلى أسفل وأحط من الحيوان الأعجم إذ الكلب لا يرضى أن يباشر الذكور مثله من الكلاب، ولذلك يقول الله عز وجل في التشنيع على قوم لوط: {أتأتون الذكران من العالمين وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بل أنت قوم عادون} .

بعد أن ذكر الله في الآية الأولى أن مرتكبي الفاحشة إذا تابا وأصلحا زال الأذى عنهما، وأخبر بعد ذلك على سبيل الإطلاق أيضًا أنه تعالى تواب رحيم أتى بذكر وقت التوبة وشروطها ورغب في تعجيلها لئلا يدهمهم الموت وهم مصرون على المعاصي فلا تنفعهم التوبة فقال {إنما التوبة} المرجوة {على الله} لأنه أخذ على نفسه قبولها، ومحال أن يرجع في وعده بها، هي {للذين يعملون السوء} كل ما لا يرضي الله {بجهالة} بحالة نفسية جامحة من ثورة الشهوة أو سورة الغضب تجعله ينسى الحق ولا يعرف أوجه الصواب {ثم يتوبون من قريب} أي بعد زوال تلك الحالة وقبل أن يأتيهم نذير الموت من مرض أو نحوه حيث يشعرون بهول المعصية ويخشون ربهم ويندمون على ما فرط منهم ويستغفرون الله {فأولئك يتوب الله عليهم} يتجاوز عما ارتكبوه ويغفره لهم {وكان الله} عندما شرع لعباده التوبة {عليما} بأن الإنسان معرّض دائمًا للمعاصي {حكيما} في قبوله التوبة بشرطيها ولولاها لأمعنوا في ارتكاب السيئات ما داموا هالكين على كل حال ولولا الشرطان لما أحجم الناس عن الشر طمعًا في سهولة العفو {وليست التوبة} التي أخذ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت