من أصل واحد هو الإنسان الأول، فكلكم مهما تعددت شعوبكم وتنوعت أشكالكم وطبائعكم وأخلاقكم ولغاتكم وتناءت دياركم لم تخرجوا عن كونكم خلقًا واحدًا من ضمن مخلوقاته الكثيرة في هذا الكون الزاخر بمختلف الموجودات. {واتقوا الله} الإله الذي تعبدونه بفطرتكم وتدعونه في سركم وجهركم باعتباره مصدر القوى الروحية الخفية المسيطرة على هذا الوجود، وهو {الذي تساءلون به} والأصل تتساءلون فحذفت إحدى التاءين تخفيفًا وقرئ"تساءلون"بتشديد السين أي يناشد بعضكم بعضًا به لقدسيته ومقامه العظيم لديكم فأنتم في أشد الحاجة إليه على الدوام {والأرحام} بفتح الميم وقرئ بكسرها جمع رحم يطلق على ذوي القربى التي تسألون بها أيضًا لعظم مقامها عندكم، إذ هي في مقدمة القوى المادية التي يعتمد عليها الإنسان في الحياة. لأن في عدم تقوى الله دليلًا على استخفافكم بمقامه تعالى فتستهدفون لسخطه وتحرمون من إمداده ونصره، كما أن قطيعة الرحم من شأنها أن تفقدكم خير معين مادي لكم في هذه الحياة {إن الله كان عليكم رقيبا} مشرفًا على أعمالكم عالمًا بما في نفوسكم، يراكم من حيث لا ترونه، ولا يخفى عليه شيء من أمركم فإنكم إذا وثقتم بهذا وآمنتم به حق الإيمان وتصورتموه مطلعًا عليكم في كل حين لا يمكن إلا أن تتجنبوا كل ما لا يرضيه، ذلك أن السارق لا يسرق عادة إذا أحس أن عينًا ترقبه، والزاني لا يزني إذا علم أن هناك من ينظر إليه، فكيف إذا أيقن بأن الله خالقه يرقبه ويعلم به، لاشك أنه يخاف منه وينتهي عن كل أمر لا يرضيه.
بعد أن أمر الله الناس بتقواه أخذ يوصيهم بالمستضعفين وفي مقدمتهم اليتامى الذين فقدوا آباءهم وهم صغار لا راعي لهم غير الله سواء كانوا من ذوي الرحم أم لا فقال {وآتوا اليتامى} ممن يكون لكم عليهم ولاية أو وصاية أو غيرها {أموالهم} التي تركها لهم مورثوهم. {ولا تتبدلوا الخبيث} من أموالكم {بالطيب} من أموالهم حيث لا رقيب عليكم ويدكم على تلك الأموال يد أمانة {ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم} ولا تضموا أموالهم إلى أموالكم وتتخذوا من ذلك وسيلة إلى أكلها وتبديدها بحيث تشركونهم في الغرم دون الغنم كأن تخلطوا المالين في تجارة فإن ربحت قلتم إنما حمل الربح باجتهادنا وعملنا، ومالهم محفوظ وإن خسرت قلتم ألم يكن المال مشتركًا بيننا ومثل ذلك أن تتخذوا من وجود أموالهم تحت أيديكم وسيلة للتهور والمجازفة في بعض مشاريع خطرة لم تكن مضمونة الفائدة عادة {إنه} أي كل ما ذكر {كان حوبا كبيرا} ذنبًا عظيمًا لأنه اعتداء