الصفحة 413 من 1760

ربهم هذا الدعاء. بما يشعرهم بأن مجرد الإيمان والدعاء لا يكفي لتحقيق ما طلبوا بل لابد أن يقترن ذلك باتباع السنن المؤدية إليه، وأكد لهم ما يقتضيه عدله تعالى ونظامه الذي سنه لعباده بقوله: {أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى} فالعبرة في النجاة من العذاب والفوز بحسن الثواب إنما يكون بصالح العمل والإخلاص فيه لا بمجرد الدعاء ووافر الأمل {بعضكم من بعض} فالرجل مولود من المرأة والمرأة مولودة من الرجل لا فرق بينهما في الأنساب ولا تفاضل إلا بالأعمال {فالذين هاجروا} من ديار الكفر إلى ديار الإيمان فرارًا بدينهم، أو ترفعًا من أن يكون للكفار سيادة عليهم {وأخرجوا من ديارهم} بالقوة رغم أنوفهم {وأوذوا} ضيق عليهم ووجهت إليهم الإساءة {في سبيلي} من أجل كونهم مؤمنين بي وداعين إلي أو مبشرين بديني {وقاتلوا وقتلوا} تبادلوا القتال الحسي والمعنوي ابتغاء مرضاة الله وقرئ"وقتلوا وقاتلوا"وقرئ"وقاتلوا وقتلوا"بتشديد التاء {لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار} التي وعدتهم بها على لسان رسلي {ثوابا} جزاء عظيمًا يفوق التصور {من عند الله} لقاء ما أصابهم من أجله من هجرة وإخراج من الديار وقتال وتقتيل {والله عنده حسن الثواب} فجزاؤه جل وعلا من محض الفضل وواسع الرحمة.

لقد أخبر الله رسوله بأنه جعل في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار آيات لأولي الألباب الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا إلى آخر الآية، ليشير إلى أن من لم يتخذ من ذلك آيات للدلالة على الله فليس بذي لب ثم أراد جل وعلا أن يدحض بعض تصورات قد تطرأ على قلوب بعض البشر إذ يقولون: كيف هذا ونحن نرى الكثير من الذين لم يهدهم عقلهم إلى الإيمان أصحاب عقول نيرة هدتهم إلى اكتشاف مباهج الحياة واختراع جميع وسائل السعادة والهناء فكيف نحكم عليهم بأنهم ليسوا من ذوي الألباب الناضجة، فخاطب الله رسوله بقوله {لا يغرنك} أيها الرسول، وخطاب الرسول خطاب لأمته {تقلب الذين كفروا في البلاد} في أنواع من النعم فتحسب ذلك دليلًا على نضج عقولهم التي أوصلتهم إلى ما أوصلتم إليه فإن هذا الذي ينعمون به {متاع قليل} في هذه الحياة الدنيا فقط وهي قصيرة الأمد {ثم مأواهم} في الحياة الأخرى التي هي دار القرار {جهنم} يصلونها ولا ينفكون عنها أبدًا {وبئس المهاد} فلو كانوا من ذوي الألباب لما آثروا المتاع القليل الزائل على النعيم الدائم المقيم لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات تجري من تحتها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت