الصفحة 411 من 1760

الفلاة البعيدة التي لا ماء بها فلا يصل إليها أحد {من العذاب} بل إنهم قريبون منه بانتصار أهل الحق عليهم وكشف أمرهم وحلول نقم الله السماوية بهم في هذه الحياة الدنيا {ولهم} في الآخرة {عذاب أليم} جزاء على ذلك {ولله ملك السماوات والأرض} فأنى لهم بالنجاة من عذابه؟ {والله على كل شيء قدير} لا يعجزه شيء من أمرهم.

بعد أن اخبر الله رسوله بمصير أهل الكتاب الذين أساءوا إلى الكتاب بنبذه وكتمانه والإتجار به، وفرحوا بمدح الناس لهم، أخذ يبين له جل وعلا بأن أولئك القوم قد ضلت عقولهم فحرموا من نعمة العقل الكامل والتمتع بلذة الحياة الحقة حيث قال {إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب} الذين إذا نظروا إلى السموات والأرض لم تخدعهم مظاهرها، بل إنما ينصرف تفكيرهم إلى دقة صنعها وعظمة خالقها، وإذا رأوا اختلاف الليل والنهار لم يقتصر نظرهم إلى مجرد أنهما ظلمة وضياء، بل إنما يحملهم هذا على التأمل في سر هذا التطور وماله من مزايا وما وراءه من غاية، فيكون لهم من ذلك آيات تدلهم على وجود الله إذ يوقنون بأنه لابد لهذا الخلق العظيم من خالق مدبر حكيم، أما من لم ينظر إلى ما يحوطه من سماء وأرض وليل ونهار من هذه النواحي نظرة تدقيق فلا يتخذ من ذلك دليلًا على قدرة الله فيعتبر فاقد اللب قصير النظر، ومن أجل هذا وصف الله أرباب الألباب بقوله {الذين} ترونهم {يذكرون} بألسنتهم وقلوبهم {الله} الخالق لكل شيء عند نظرهم لكل صغير وكبير من خلقه في كل لحظة {قياما وقعودا وعلى جنوبهم} فهم في هذه الحالات الثلاث محاطون بالأرض والسماء ملازمون لواحد من الليل أو النهار شاعرون بقلوبهم بوجود خالق الكل يلتذون بذكرهم له بالتأمل في آثار الكائنات الدالة عليه سبحانه {ويتفكرون في خلق} الله لهذه {السماوات والأرض} وما فيها من عجائب المخلوقات وأسرار الكائنات تفكيرًا يحملهم على الإيمان باليوم الآخر، فما من شك بأن عظمة هذا الكون وما فيه من مخلوقات يدل دلالة قاطعة على وجود خالق له عظيم اتصف بالقدرة الكاملة على الخلق والإبداع وحسن التدبير ودقة النظام. ومتى ثبت هذا فإن العقل لا يسلم بأن ربا اتصف بهذه الصفات العالية يمكن أن يقيم خلقًا عظيمًا كهذا الخلق ثم يأتي عليه ويهدمه من غير حكمة أو سبب هو إعادة بشكل آخر أعظم وأرقى، ولولا ذلك لكان هذا الخالق عابثًا سيء التصرف فلا يسعهم إلا أن ينزهوا الله تعالى عن ذلك بقولهم {ربنا ما خلقت هذا باطلا} فإن نظرة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت