الصفحة 406 من 1760

خير يرجى منهم {ولهم عذاب أليم} موجع. وقد وصف جل جلاله عذاب هؤلاء بالألم لأنهم كانوا كالأنعام فناسب أن يكون عذابهم شدة الإيلام {ولا يحسبن} وقرئ بالتاء {الذين كفروا} بالله ورسوله، أو لا تحسبن أيها الرسول الذي كفروا على القراءة الثانية {أنما نملي لهم} من إمهالنا والتخلية بينهم وبين ما يريدون هو {خير لأنفسهم} دليل على رضاء الله عنهم ولولا ذلك لخسف بهم الأرض، كلا بل {إنما نملي لهم} نرخي لهم العنان ليفعلوا ما شاءوا ويتخيروا من السنن ما أرادوا {ليزدادوا إثما} لأن المنهج الذي انتهجوه لا يؤدي إلا لزيادة الإثم {ولهم عذاب} من نوع {مهين} يتناسب مع حقارة المعاصي التي ارتكبوها. قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته» والمعنى أن إمهال الظالم وإمداده بالعطاءات الكثيرة تزيده بغيًا فتحل بذلك النقمة فلن يفلت منها.

بعد أن بين الله مصير المنافقين والكافرين وقال إنما يمليه لهم في هذه الحياة الدنيا لا يعد عنوانًا على السعادة بل هو استدراج لهم ليوغلوا فيما هم فيه من كفر ويزدادوا إثمًا أردف ذلك بما يشعر بأنه سبحانه وتعالى لم يكن يرضيه من المؤمنين أن يقولوا آمنا، أو ما يبدو من مظاهر العبادات، ولذلك شرع لهم الجهاد في سبيله ليمتحن قلوبهم ومبلغ طاعتهم ويفرق بين المؤمن الصادق والمنافق، فقال {ما كان الله ليذر} يدع ويترك {المؤمنين} وشأنهم {على ما أنتم عليه} من إقامة الصلوات وامتثال أوامر الرسول الخالية من الشدائد والمحن مما يتقبله عادة المؤمن الصادق والمنافق، مما يؤدي إلى الالتباس والاشتباه {حتى يميز} وقرئ بتشديد الياء الثانية وضم الأولى من التمييز {الخبيث من الطيب} ويفرق بين الصادق والمنافق وذلك بالجهاد في سبيله بالنفس والمال، فهناك من الشدائد ما يبتلي به الله قلوب المخلصين من عباده ويكشف الغطاء عن سوء نوايا المنافقين منهم {وما كان الله} بهذا {ليطلعكم على الغيب} وإنما هو مجرد أمارات وشواهد قد تخطئ وقد تصيب، فلا تتخذوا من ذلك دليلًا قاطعًا على خبث المتخلف وطيب المبادر، فإن وراء ما ذكر من حقائق الأمور ما لا يعلمه إلا الله {ولكن الله يجتبي} أي يصطفي ويختص {من رسله من يشاء} الاجتباء بالتفاني في حب الله وتمام الإخلاص له وتجرد القلب عن كل ما سواه حيث يطلعهم على حقائق بعض الأمور مما يكون في تبليغه للناس تنبيهًا لهم وتذكيرًا {فامنوا بالله} إلهًا واحدًا انفرد بعلم ما في الغيب {ورسله} المجتبين لديه فيما يخبرون به من المغيبات {وإن تؤمنوا} بهذا {وتتقوا}

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت