الصفحة 404 من 1760

وكان معه - كما قال ابن القيم - ألفا رجل فسمى أهل مكة جيشه جيش السويق لأنهم خرجوا ليشربوا السويق - وهو من الدقيق الناعم - ولقد كان مع المسلمين بعض عروض فاشتركوا في سوق بدر وربحوا وأصابوا بالدرهم درهمين وعادوا إلى المدينة سالمين غانمين. فالمراد بالناس الأولى نعيم بن مسعود الأشجعي ومن دعا بدعوته من المنافقين، والمراد بالناس الثانية أبو سفيان وحزبه من المشركين {فاخشوهم} فهم كثيرون وأنتم قليلون، والكثرة تغلب الشجاعة {فزادهم} هذا القول {إيمانا} بالله وثقة به رغم ما هم عليه من الضعف وعدم القدرة على لقاء عدوهم فلم يفت هذا من عزيمتهم بل وثقوا بنصر الله لهم وفاء بوعده ولم تخفهم كثرة الأعداء وتجردوا عن النظر في الماديات فاتجهوا بقلوبهم إلى بارئ الأرض والسموات {وقالوا حسبنا الله} يكفينا ما أهمنا من جميع الأحوال {ونعم الوكيل} الذي نكل إليه كافة الأمور فهو لا يعجزه أن ينصرنا على أعدائنا على قلتنا وكثرتهم بقوة غيبية لا يعلمها إلا هو. وإن من أبسط ذلك أن ينزل عليهم مختلف الأمراض والأوبئة، أو يسقط عليهم صواعق من السماء أو يلقي الرعب في قلوبهم فينقلبوا خاسرين. وقد كان وصرف الله نظر أبي سفيان عن حربهم في ذلك العام بأتفه سبب وسلم الله المؤمنين من شرهم {فانقلبوا} عادوا بعد خروجهم إلى لقاء الذين جمعوا لهم متمتعين {بنعمة من الله} هي السلامة والعافية {وفضل} هو ما ربحوه في التجارة. روى البيهقي عن ابن عباس «أن عيرا مرت في أيام الموسم ببدر فاشتراها رسول الله صلى الله عليه وسلم فربح مالا فقسمه بين أصحابه فذلك هو الفضل» {لم يمسسهم سوء} أي ضرر بعد أن قيل لهم إن المشركين سيبيدونكم عن آخركم {واتبعوا رضوان الله} بالنعمة وظفروا بالحصول على رضاء الله باتباع أوامره {والله ذو فضل عظيم} يجزي الواثقين المتوكلين عليه بمثل ما جازى هؤلاء المؤمنين الذين تجردت قلوبهم من خوف غير الله فكفاهم الله شر أعدائهم وأعادهم سالمين إلى ديارهم وقد ربحت تجارتهم في الدنيا والآخرة. {إنما ذلكم} القول الذي تحدث به نعيم الأشجعي ومن على شاكلته من التهديد بكثرة العدو رجاء تخويف المسلمين منهم ليقعدوهم عن الجهاد في سبيل الله، هو نفس القول الذي كان {الشيطان يخوف أولياءه} الموالين له بالوسائل التي يوسوس بها في قلوب الناس ليصدهم عن الجهاد كما يعدهم بالفقر إذا هم أنفقوا أموالهم في سبيل الله ليحول دونهم ودون ما يقربهم إلى الله ونيل ثوابه ومضاعفة نعمه عليهم {فلا تخافوهم} فهم خلق من خلقي نواصيهم بيدي وقلوبهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت