الصفحة 403 من 1760

رؤوس يجتمعون لكم فارجعوا حتى نستأصل شأفتهم، وأخذوا في أسباب الأهبة للكرة عليهم، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فندب أصحابه إلى الخروج في طلب أبي سفيان واشترط أن لا يخرج معه إلا من كان معه في القتال فخرج معه نحو سبعين رجلًا من أصحابه جلهم مثخنون بجراحهم يتوكأ بعضهم على بعض من شدة التعب حتى بلغوا حمراء الأسد، وهو مكان على بعد ثلاثة أميال من المدينة لم يداخلهم خوف أو وهن. فلما علم المشركون بخروجهم لمقاتلتهم وما هم عليه من قوة الإيمان والجلد، قذف الله في قلوبهم الرعب منهم فعادوا إلى مكة ثانية ورجع جيش النبي إلى المدينة ظافرًا برضاء الله عنه على ما بدا منه من عظيم الثقة بالله ووافر التضحية في سبيله ومن أجل هذا قال الله عنهم {للذين أحسنوا منهم} بالمحافظة على الائتمار بما أمر الله من الطاعات {واتقوا} بالانتهاء عن جميع المنهيات {أجر عظيم} قد لا يقل عن أجر من استشهد في ساحة الوغي، بل قد يكون أكثر منه لأنهم جاهدوا وصبروا وتزودوا بكثير من صالح الأعمال. ثم إنه تعالى وصف القسم الثاني من المؤمنين بقوله {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم} روى عن ابن عباس ومجاهد وقتادة وعكرمة أن المراد بهم من خرج إلى غزوة بدر الصغرى، ذلك أن أبا سفيان عندما همّ بالانصراف من أحد نادى المسلمين: موعدكم موسم بدر القابل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «قولوا نعم بيننا وبينك إن شاء الله» فلما كان العام القابل خرج أبو سفيان في أهل مكة حتى نزل «مجنة» وقيل بلغ «عسفان» فألقى الله تعالى الرعب في قلبه فبدا له الرجوع فلقي نعيم بن مسعود الأشجعي وقد قدم معتمرًا فقال له أبو سفيان إني توعدت محمدًا وأصحابه بميعاد أن نلتقي بموسم بدر وإن هذا عام جدب ولا يصلحنا إلا عام نرعى فيه الشجر ونشرب فيه اللبن وقد بدا لي أن أرجع وأكره أن يخرج محمد ولا أخرج أنا فيزيدهم ذلك جرأة. فالحق بالمدينة فثبطهم عن ذلك ولك عندي عشرة من الإبل أضعها في يد سهيل بن عمرو، فأتى نعيم المدينة فوجد المسلمين يتجهزون لميعاد أبي سفيان فقال لهم ما هذا بالرأي، أتوكم في دياركم وقراكم فلم يفلت منك إلا شريد أفتريدون أن تخرجوا إليهم وقد جمعوا لكم عند الموسم فوالله لا يفلت منكم أحد. فوقع هذا الكلام في قلوب قوم منهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لأخرجن ولو وحدي» فخرج ومعه سبعون راكبًا يقولون «حسبنا الله ونعم الوكيل» حتى وافى بدرًا فأقام بها ثمانية أيام ينتظر أبا سفيان فلم يحضر لأنه رجع إلى مكة بجيشه،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت