فقال: {ولا تحسبن} وقرئ"يحسبن"بالياء لا تظنن أيها الرسول وخطاب النبي، خطاب للأمة في شخص النبي صلى الله عليه وسلم {الذين قتلوا} وقرئ بتشديد التاء {في سبيل الله} إعلاء لدينه وابتغاء مرضاته {أمواتا} حرموا لذة الحياة ومباهجها، لا {بل} هم {أحياء} بنفوسهم حياة برزخية كسائر البشر، وإنما يمتازون عليهم بأربع حالات هي أقصى ما يتمناها الإنسان في الحياة، وهي أولًا: أنهم {عند ربهم} فلا تصل إليهم أيدي أعدائهم ولا يخشون أحدًا من الناس. وثانيًا: أنهم {يرزقون} الرزق: كل ما ينتفع به أو يصل إلى الإنسان من غير كد أي أنهم ينعمون بنعيم دائم مستمر من الساعة التي قتلوا فيها. أخرج الترمذي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه، قال: لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «يا جابر مالي أراك منكسرًا؟ فقلت: يا رسول الله، استشهد أبي وترك عيالًا ودينًا، فقال ألا أبشرك بما لقي الله به أباك؟ قلت بلى، قال ما كلم الله أحدًا قط إلا من وراء حجاب وأحيا أباك فكلمه كفاحًا، وقال: عبدي تمنَّ علي أعطك؟ قال يا رب تحييني فأقتل فيك ثانية! قال الرب تعالى: قد سبق مني أنهم لا يرجعون، قال إي رب أبلغ من ورائي، فأنزل الله هذه الآية» - وثالثًا: أنهم {فرحين بما آتاهم الله من فضله} الذي هو فوق ما يستحقون {و} رابعًا أنهم {يستبشرون} أي يظلوا في بشر وسرور {بالذين} أي بسبب الذين {لم يلحقوا بهم} ولم يجدوهم معهم وتركوهم {من خلفهم} في ميدان الجهاد، ووجه استبشارهم بهم أنهم ثبتوا في أماكنهم إلى أن كتب لهم النصر على أعدائهم ولولا ذلك لقتلوا ولحقوا بهم {ألا خوف عليهم} في الدنيا من استئصال المشركين لهم أو ظفرهم بهم {ولا هم يحزنون} على عدم نيلهم للشهادة فرحًا بنصر دين الله {يستبشرون} أيضًا {بنعمة} يرجونها {من الله} يوم القيامة {وفضل} زائد عما نالوه {وأن الله} سوف {لا يضيع أجر المؤمنين} فإنه تعالى بلا شك سيكرم إخوانهم كما أكرمهم. ولفظ المؤمنين هنا عام غير أن الله تبارك وتعالى قسمهم إلى قسمين ووصفهم بوصفين فقال عن الأول {الذين استجابوا لله والرسول} عندما دعاهم الرسول إلى اتباع أبي سفيان في حمراء الأسد {من بعد ما أصابهم القرح} في أحد وهم إخوان أولئك الشهداء الذين لم يلحقوا بهم من خلفهم عند ما أصابهم في أحد ما أصابهم وصرف الله عنهم المشركين ورجعوا هم إلى المدينة منهوكي القوى.
وما كاد المشركون يبلغون مكانًا يقال له الروحاء بين مكة والمدينة حتى تلاوموا فيما بينهم وقال بعضهم لبعض لم تصنعوا شيئًا أصبتم شوكتهم وحدهم ثم تركتموهم وقد بقي منهم