وكتب لي أحد علماء الأزهر الأجلاء من مصر يقول إن ما جنحت إليه من أن الله يمحو ويثبت في أم الكتاب ما قضى به وما قدره ليس هو المراد من قوله تعالى: {يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب} بل المراد منها شيء واحد فقط لا ثاني له إنما هو أحكام التشريع بما يناسب كل زمان حيث بدأت الآية بقوله تعالى: {وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله لكل أجل كتاب} أي لكل زمن كتاب على حد قوله تعالى: {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا} فالمراد بالمحو إنما هو إلغاء بعض الأحكام التي تلائم ما استجد من الزمان وقد قال علماء السلف الصالح شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يجد ناسخ ينسخه.
وقد أجبت فضيلته على هذا بقولي من أين لنا هذا الحصر ومن هو الذي يستطيع أن يتحكم في مراد الله ولفظ {ما يشاء} عام يشمل جميع الأحكام بما فيها القضاء والقدر وقد نص الفقهاء على أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب وقال لي عالم جزائري جليل تعليقًا على هذا حقًا إنها لجرأة منكم أشكركم على الجهر بها ولكني أعتقد أن كثيرًا من العلماء المقلدين في عصرنا هذا سوف لا يقرونكم عليها ولو اقتنعوا بصحتها فكلام المشائخ في نظرهم كنص الشارع بل ربما كان أقوى. قلت هذا لعمري هو السر في تأخرنا وبعدنا عن الله وإني بتفسيري هذا إنما أدعو الناس إلى الإيمان بإله عادل لا يحكم الناس بالهوى والعاطفة ولا يستغل نفوذه لإيقاع الضرر بأحد من عبيده المستضعفين تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا فالجميع أمامه سواء وإنما يؤاخذهم بما كسبت أيديهم ولا يضن عليهم بشيء مما يشاءون. وإني لا أقصد بهذا إلا تحرير البشر من العبودية لغير الله أريدهم أحرارًا في أفكارهم وأنفسهم، لا سلطان عليهم إلا الله خالقهم، وما أنزله من كتب، وما أرسله من رسل.
أريد أن أسمو بنفوسهم عن أن ترضخ للبدع، والخرافات وما يدعو إليه الدجاجلة من الأوهام وفاسد العبادات، أريد أن أقوي صلتهم بالله، ليمدهم سبحانه بمعونته ويسيروا في الحياة بخطى واسعة إلى كل ما فيه خير البشر وسلام العالم، أريد أن أنير لهم الطريق إلى ما فيه سعادة الدارين وخير الحياتين.