سيعملون ويجعلهم {في طغيانهم يعمهون} أي يتردون في الضلال على حد قولهم: «وتقدرون فتضحك الأقدار» ولولا ذلك لعاملهم معاملة جدية وأهلكهم عن بكرة أبيهم في أقل من لمح البصر {أولئك} أي من ذكر من الناس هم {الذين اشتروا الضلالة} أي الباطل: بمعنى أخذوا آراء خاطئة من أقوال الفلاسفة والعلماء الطبيعيين وتبنوها ونشروها {بالهدى} أي وتركوا ما أنزله الله من حقائق ثابتة، ودستور عالمي كامل يضمن صلاح البشر وسعادة الدارين {فما ربحت تجارتهم} أي إن دعواهم الإسلام، وتملقهم للناس، ونشرهم
للأفكار الخاطئة كل هذا لم يكسبهم في الحياة أكثر ما يناله سواهم من الرزق {وما كانوا مهتدين} أي لم يصل بهم تفكيرهم إلى ما وصل إليه المتقون من هداية القرآن التي ضمنت لهم السعادة في الدنيا والآخرة فهم والحالة هذه قد باؤوا بالخسران المبين. وهنا ضرب الله مثلًا لهؤلاء القوم فقال {مثلهم} فيما يقومون به من دعوة خاطئة لا تقوم على أساس قوي {كما الذي استوقد نارًا} قوية تلفت الأنظار إليها وتحدث ضجة عالية، ولم يكن لديهم من المواد اللازمة للوقود ما يضمن لها البقاء والاستمرار {فلما أضاءت ما حوله} أي فما كاد الناس يتسامعون بها حتى {ذهب الله بنورهم} فأطفئت تلك النار من تلقاء نفسها، شأنها في ذلك شأن كل شيء لا أساس له، سرعان ما يتحلل ويزول وفق سنن الله التي تقضي بذلك {وتركهم في ظلمات} حالكة دامسة {لا يبصرون} سبيل الإخلاص والإنقاذ من غياهب الظلمات. ومن أين يأتي إليهم الهدى أو المواد اللازمة لإقامة صرح دعوتهم وهم {صمٌ} عن سماع كلام الله وسنة رسوله {بكمٌ} عن طلب الاسترشاد وفهم حقائق الإسلام، وما يدعو إليه من فضائل ومكرمات {عميٌ} عن رؤية ما بين أيديهم من الآيات الكونية المحسوسة الدالة على عظيم قدرة الله، وأنه تعالى العزيز الذي لا يغلب. {فهم لا يرجعون} عن غيهم لانغماسهم في الشهوات، وعدم رغبتهم في الرجوع إلى الله والاحتكام إلى القرآن الذي أنزل إليهم {أو كصيبٍ} أي ومثلهم تجاه القرآن المنزل من عند الله كمثل قوم نزل لهم صيب، وهو المطر النازل {من السماء} وهذا الصيب {فيه ظلماتٌ} أمور غامضة لا يعرفون مغبتها كعوارض البرد، ووهج الرياح، وآثار السيول؛ مما يقض المضاجع، ويخرب البيوت، ويكون سببًا للنفع والضر، كما في القرآن من آيات تبدو غامضة، وهي تحمل في طياتها من الأسرار الإلهية، والسنن الكونية، ما فيه الخير والضر لبني الإنسان {ورعدٌ} ينتج من احتكاك السحب فيخيف السامعين