ذلك ولكنه أجل من أن يعذب الطائعين بما له من كمال القدرة والسلطان فهذا ما يتنافى مع عدله ولم يكن داخلًا ضمن نظام مشيئته فهو القائل {إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون} {وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلو عليهم آياتنا وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون} . والآيات في هذا الباب كثيرة تؤيد هذا المعنى وهو في نظري أحسن من النسق الذي جرى عليه المفسرون والذي قلتم كأنه برهان قاطع وقانع لإعلان قدرته الكاملة وملكه وسلطته القاهرة لأن ذلك مما لا يحتاج إلى برهان وإني بهذا إنما أثبت الناس كامل الخيار وأحضهم على عمل الصالحات ولا أنكر أن علمه تعالى سابق أزليًا لأعمال العباد وما تقتضيه رحمته بمن يريد منهم.
ونحن اليوم أحوج ما نكون إلى الإيمان بهذه الحقيقة عن طريق فهم كلام الله على النحو الذي أوضحناه وتنزيهه تعالى عن الحكم الكيفي القائم على مجرد الرغبة والإرادة وأن نقنع الناس أن كل ما يصيبه الإنسان في الحياة وبعد الممات عائد إلى محض إرادته الشخصية وعمل يده وفق دستور الله ومقتضى عدله لا إلى إرادة الله خالقه فهذا هو المنطق والقول الحق الذي جاء به القرآن الذي: {لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد} .
ولئن كان موضوع القضاء والقدر قد سبب زلل كثير من العلماء السابقين وانتسابهم إلى فرق قدرية وجبرية ومعتزلة فإن تأثر الناس بما يقوله بعض العلماء من أن الله جل وعلا غير مقيد بما قطعه على ذاته العلية من وعده بإدخال الطائعين الجنة والكافرين النار بل إنه لا مانع يمنعه أن يفعل العكس لأنه الحاكم المطلق الذي لا يسأل عما يفعل وهم يسألون هو الذي حملهم على تشبيهه تعالى بملوك الدنيا وتلمس الوسطاء له والشفعاء لديه وهو الذي أبعدهم عن الإيمان الكامل بعدله وصدق وعده وهم لا يشعرون.
لقد نهى الإسلام عن عبادة الأشخاص وتقليد الآباء في العقائد والأقوال وأمرنا أن نجل الله عن كل نقيصة ونقدسه عن كل ما يزري بمقامه العظيم فما بالنا نرضى أن ننسب إلى حكمه بين عباده ما لا يرضاه ملوك هذا العصر لأنفسهم وطريقة حكمهم؟