أعطى للناس حق الدفاع عن أنفسهم بمقتضاه حيث قال: {يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها وتوفى كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون} . وقد شرع الله الحساب والعقاب وأكد لنا أنه سيجزي الناس بأعمالهم ومن أجل هذا وكل إلى الملائكة أمر تحضير الوثائق والمستندات لإدانة من يستحق الإدانة باستنساخ صور طبق الأصل لكل ما يقول الناس وما يعملون لعرضها في يوم الحساب حيث قال: {هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون} فلا محل للقول بأن فاعل يشاء عائد إلى الله لما فيه من إبطال للمعنى المراد بالحساب وتحضير المستندات.
وكتب لي عالم آخر من باكستان يقول إنه قرأ كتابي فما وجد فيه شيئًا مخالفًا للحق والحقيقة إلا إعادة الضمير في يشاء إلى من لا إلى الله لأن هذا مخالف لما اتفق عليه المتقدمون والمتأخرون وأخاف أن يجعلك العامة والخاصة عرضة لما لا أرضاه لك وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرت أن أخاطب الناس على قدر عقولهم والقرآن إنما أنزل للناس كافة وفيهم من هو ذو فهم كامل وناقص ومنهم عالم وجاهل وبدوي وحضري وجميعهم فهموا أن الفاعل في يشاء عائد إلى الله فقوله تعالى: {لله ملك السماوات والأرض} إعلانه لقدرته الكاملة وسلطته القاهرة والجملتان بعده {يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء} كأنهما برهان قاطع وقانع لذلك الإعلان إذ الملك القادر ذو القدرة الكاملة يفعل ويحكم حسب مشيئته لا يتوقف حكمه وفعله على مشيئة المغفور له ولا المعذب وقوله تعالى {والله غفور رحيم} كأنه نتيجة لذلك الدليل والمدلول ولو كان فاعل الفعلين في الآية المذكورة عائدًا إلى من لاختل هذا النسق الحسن. وقد أجبت فضيلته على الموضوع بأن اتفاق المتقدمين والمتأخرين على تفسير كلام الله لا يوجب أن يكون ذلك هو مراد الله بل إن التفسير الصحيح هو ما ينطبق على قواعد اللغة وتؤيده معاني الآيات الأخرى من كتاب الله فالقرآن يفسر بعضه بعضًا. وإن فيما جنحت إليه من التفسير معنى لم يطرقه أحد من المتقدمين وهو أنه تعالى مع أنه المالك لكل ما في الأرض والسماء المتصرف في جميع الكائنات دون معارض سوف لا يستبد فيهم كما هو شأن ملوك الدنيا الظالمين بل إنه تعالى بما له من كامل الحقوق وواسع الرحمة تفضل فشرع دستورًا علق بمقتضاه الغفران والعذاب على مشيئة عباده منة وكرمًا وأرسل وأنزل الكتب لتنذر الناس بأحكامه ووعده ووعيده وإن في قوله تعالى بعد ذلك {والله غفور رحيم} لمعنى آخر يدل على أن رحمته فوق عدله وأنه تعالى من شأنه أن يتجاوز عن سيئات المسيئين بعد