الصفحة 36 من 1760

وهذه الغشاوة هي أيضًا نتيجة عدم رغبتهم في الاستدلال بها على وجود خالقها جل وعلا وفي إمكان كل كافر من العلماء الماديين والمخترعين في عصرنا هذا أن يزيل هذه الغشاوة عن سمعه وبصره، وذلك بتوجيه أفكاره في عظمة الإله الخالق ودقة صنعه ونظامه الكوني العجيب، ويتخذ من ذلك سبيلًا إلى الإيمان به وطلب الهداية منه عن طريق هذا القرآن ليكون من المهتدين {ولهم عذاب عظيم} في الآخرة جزاء إعراضهم عن طلب الهداية عن الطريق الذي سنه الله لها وهو القرآن الذي أنزله خصيصًا لهذه الغاية.

بعد أن ذكر الله حقيقة المتقين والكافرين، وما قضت به سنته تعالى في حقهم، أخذ ينبه الأفكار إلى أن هناك نوعًا آخر يدَّعون الإيمان بألسنتهم دون قلوبهم، بينما هم قوم معتدون بأنفسهم، متحررون في أفكارهم، مستهزئون بغيرهم، لا يعتقدون بوجود الله، ولا يدينون بدين، وإنما يسعون في الحياة لإشباع شهواتهم، ويجاملون كل فريق لقضاء مصالحهم، ويهزؤون من كل صاحب دين، ولا يكترثون بحساب ولا عقاب. فقال {ومن الناس من يقول} قولًا لا يعتقد بصحته، ولا يقصد حقيقته هو {آمنا بالله وباليوم الآخر} بألسنتهم لا يتجاوز إيمانهم حناجرهم، ويحسبون بذلك من المؤمنين {وما هم بمؤمنين} حقًّا وهم يظنون أنهم بإعلان الإيمان باللسان دون القلب {يخادعون الله} العليم بما يقصدون من وراء هذا القول من أهداف {والذين آمنوا} من قومهم لإرضائهم واستمالتهم إليهم {وما يخدعون} في الواقع {إلا أنفسهم} لأن دعواهم الإيمان بألسنتهم خدعة لا تجعلهم في عداد المؤمنين، ولا تخفى على الله المطلع على السرائر، ورضاء المؤمنين عنهم في هذه الحياة لا يقيهم من عذاب الله، فهم بذلك قد أضروا أنفسهم {وما يشعرون} بمبلغ الضرر الذي تردوا فيه لأن هذه المخادعة منهم دليل على عدم معرفتهم لله إذ لو عرفوه لعرفوا أنه لا يخدع {في قلوبهم مرض} ومرض القلب هو عدم طمأنينته واستقراره {فزادهم الله مرضًا} إذ ابتلاهم بمرض الخوف من الناس فهم في حذر دائم، وعدم اطمئنان من افتضاح سرهم ولذا تراهم على الدوام ينافقون ويداهنون {ولهم عذابٌ أليمٌ} في الآخرة {بما كانوا يَكذبون} بفتح الياء وتخفيف الدال وقرئ (لا يُكذّبون) بضم الياء وتشديد الذال أي في دعوى الإيمان بقصد تضليل البسطاء {وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض} أي انتهوا عن هذا ولا تشككوا الناس في عقائدهم ولا تغيروا نفوسهم وأفكارهم بما تبثونه فيها من إلحاد وضلال ومبادئ عدامة مغايرة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت