{ومما رزقناهم ينفقون} أي أنهم من فرط إيمانهم بالغيب يدر كون أن ما هم فيه من رزق سواء أكان حلالًا أم حرامًا ما هو إلا من محض كرم الله وإحسانه الذي يسر لهم سبله، وأقدرهم على نيله. ولا ينسبونه إلى مجرد أنفسهم وجهدهم، ولذلك فإنهم يشكرونه بالإنفاق منه على مستحقيه ابتغاء مرضاته، ثم أشار سبحانه إلى الصفة الثانية للمتقين بقوله: {والذين يؤمنون} أيضًا {بما أنزل إليك} من ربك أي يعترفون لك برسالتك عنه، وبالقرآن الذي أخبرتهم بأنه أنزل إليك {وما أنزل من قبلك} على الرسل السابقين من الكتب التي أخبرتهم عنها {وبالآخرة هم يوقنون} اليقين: هو الاعتقاد المطابق للواقع ولا يقبل الشك ولا الزوال. وقد حصل لهم هذا عن طريق الإيمان بما جاء في جميع الكتب من ذكر يوم القيامة والحياة الأخرى {أولئك على هدى من ربهم} في هذه الحياة لأنهم يسيرون على ضوء ما رسمه لهم تعالى من خطط تنفعهم في دينهم ودنياهم؛ وهو سبحانه وتعالى العليم بكل ذلك {وأولئك هم المفلحون} في الآخرة، لأنهم ساروا وفق السنن التي سنها الله لسعادة الآخرة أما من لم يهتد بالقرآن، ولم يؤمن بالغيب، ولم يصدق بكتب الله المنزلة على رسله. فأولئك لا سبيل إلى هدايتهم. وكدليل على أن القرآن وحده هو سبيل الهداية لمن أرادها عن طريق تقوى الله. قال تعالى: {إن الذين كفروا} بالغيب ولم يؤمنوا بغير المادة ويظنون أنه لا شيء وراء المحسوسات فغنهم ينفرون من ذكر ما وراء ما يشاهدونه من المرئيات، ويهزؤون بمن يقولون بوجود ما لا يصل إليه تفكيرهم {سواءٌ عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} فتلك طبيعة كل من يعتمد في فهمه للأمور على مجرد حواسه الظاهرة من غير تفكير وتدبر في حقائق الأمور، وأسرار الكائنات على ضوء هداية الله. وقد نجم عن إعراضهم عن الإيمان، وكفرهم بالغيب، وعدم اعتدائهم بالقرآن، واعتمادهم على مجرد حواسهم الظاهرة أن {ختم الله على قلوبهم} ليس المراد بهذا أن الله قد طبع عليها بطابع الكفر، وقضى به عليها فلا تؤمن أبدًا كما يتصوره البعض، بل المراد أنها بعدم طلبها الهداية ومقاومتها للدعوة إلى معرفة الله والاتصال به تعطلت فيها هذه الرغبة، وفقدت الأسباب التي تدعوها إلى البحث عن حقائق الإسلام ومحاسنه فلم تعد تفهم شيئًا عنه، ولم يدخلها غير ما رسخ فيها من الكفر، كما تقضي بذلك سنة الله في كل شيء {وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة} أي جعل ستارًا وحجابًا يحول بينهم وبين الاهتداء بما تحت سمعهم وبصرهم من سائر المخلوقات الظاهرة. وكلها تدل على وجود خالق لها وهو الله،