الصفحة 34 من 1760

والمعنى الحقيقي لها لا يعلمه إلا الله وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: «إن لله في كل كتاب سرًّا وسر القرآن في أوائل السور» ونقل عن علي رضي الله عنه أنه كان يقول: «يا كهيعص - يا حم عسق» أي أنه اعتبرها من أسماء الله ويغلب على الظن أنها أسماء مقسوم بها مع حذف أداة القسم كقوله تعالى: {يس والقرآن} . {ن والقلم} . {ق والقرآن} . فهذه أسماء أردفت بمقسوم بها مما يشعر بأنها مقسوم بها أيضًا فكأن المولى جل وعلا يقسم بالسر الذي أودعه في {الم} أن {ذلك الكتاب} الذي نزل به جبريل على نبيه محمد بن عبد الله وهو القرآن الكريم حق {لا ريب فيه} أنه من عند الله وقد أنزله تعالى ليكون {هدى} أي سبيل هداية إلى الله لما حواه من أدلة وبراهين ساطعة تقنع كل عاقل بوجود الله ووحدانيته واتصافه بجميع صفات الكمال {للمتقين} أي لمن اتقى الله وخافه في سره والمتقون هم الذين يحذرون الوقوع في النائبات بمعنى أن الله قد جعل القرآن أداة وقاية لمن أراد وقاية نفسه من كل سوء في الدنيا والآخرة وهم من تتوفر فيهم صفتان الأولى الإيمان بالغيب وما يترتب على هذا من العمل لرضاء الله بالفعل والبذل والثانية التصديق بما أنزل على الرسل من كتب تبين أحكام الله وما يضرهم وما ينفعهم في الدنيا والآخرة وقد أشار إلى الصفة الأولى بقوله {الذين يؤمنون بالغيب} الغيب كل ما غاب واستتر أي أنهم هم الذين يصدقون بكل ما تخبرهم به من الأمور الغيبية عن وجود الله ووحدانيته وكمال قدرته ويسلمون بذلك تسليمًا مطلقًا تعبر عنه ألسنتهم وأحوالهم إذ هم يعتقدون ولا يجحدون بأن وراء هذا العالم المحسوس عالم آخر غير منظور هو عالم القوى الخفية التي لا يعلم حقيقتها غير الله ومن أجل هذا فهم يحسبون لمالكها حسابًا في تقديرهم ويخافون بأسه فيهتدون بهديه {ويقيمون الصلاة} الصلاة في اللغة الدعاء وقال صلى الله عليه وسلم: «الدعاء مخ العبادة» وفي رواية «الدعاء هو العبادة» وحقيقتها إظهار الحاجة والافتقار إلى المعبود بالقول أو العمل أو كليهما معًا وهذا ما يتحقق تمامًا في صلاة المسلمين التي علمها لنا الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم من الركوع والسجود بين يد الله والتوجيه إليه بأنواع الذكر ومختلف الأدعية وهي المقصودة هنا بدليل قوله تعالى: {ويقيمون} فإقامة الصلاة معناها الإتيان بجميع حقوقها من كمال الطهارة واستيفاء الأركان والسنن والتوجه إلى الله بالتلاوة والذكر والدعاء في أوقاتها المعلومة فإن لم يفعل المصلي ذلك لا يعد مقيمًا لها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت