وسررت سرورًا عظيمًا لما حوى تفسيركم من التحقيق والتدقيق ويعجبني من المفسر إذا فسر كتاب الله أن يكون ذا بصيرة وعلم فإذا أبدى رأيًا يكون مرجعه العلم والرأي السديد وإذا نقل قولًا ينقل أحسن الأقوال وأجودها فكتاب الله بحر لا يعرف له ساحل يحيط به، كان أستاذي المرحوم جمال الدين القاسمي يقول لي لو كان هؤلاء الفقهاء من سائر المذاهب يعنون بتفسير كتاب الله وما يحتويه من الأسرار عنايتهم بكتبهم وما يفهم منها وما يستنبطه وقد يذيبون أدمغتهم بكتب مشايخهم وعلمائهم فلو التفتوا إلى تفسير القرآن لألفوا في ذلك مجلدات عظيمة مما يستنبطونه من أسرار القرآن وقوانينه وأنظمته عند ذلك كانوا أفادوا الأمة فائدة لا تحصى وفتحوا لغيرهم بابًا يحذوا حذوهم، أخي العزيز إنكم في تفسيركم هذا فتحتم باب الحرية في البحث وأرشدتم إلى صدق قوله تعالى في كتابه (ما فرطنا في الكتاب من شيء) وإلى صدق قول الرسول صلى الله عليه وسلم (نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها فرب مبلغ أوعى من سامع) وإن أستاذي القاسمي المذكور قال لي أخطأ من قال آيات الأحكام خمسمائة لأنه يستفاد من قصص القرآن وضرب أمثاله وغير ذلك ما لا يحصى من الأحكام فالقرآن الكريم هو المهيمن على سائر الكتب فلا يهيمن عليه كتاب ولا قول قائل لأنه كلام رب العالمين الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه هذا كان بعض المشايخ في زماننا ينكرون أشد الإنكار على من يفسر كتاب الله ويستنبط منه ما لم يخطر ببال المتقدمين ولو كان أهلا لذلك كما كان الحال في العهد الحميدي البائد ينكر على كل من اخترع آلة حربية أو أعلن فكرة نافعة للوطن أو نبه على حيل أعداء الدين والوطن كان جزاؤه أشد الجزاء بل الإعدام، فجزاكم الله تعالى على تفسيركم كتاب الله خير الجزاء لما خدمتم به كتابه العزيز ولما نشرتموه وقدمتموه لكل من يريد أن يطالعه هذا وإني عازم على مراجعة تفسيركم جملة، جملة ثم بعدها أراجعكم وأبادلكم البحث فيما يقتضيه ويطلبه الإيصال إلى الحقيقة فليس بيننا وبين الحق عداوة فجزى الله تعالى كل من يدلنا على الحق إذا أخطأنا والعصمة لله وحده ومثلكم من يشتغل بالعلم الصحيح ويصرف الوقت فيما يرفع شأن الأمة وما يرقيها ويبعثها من جديد وقد كنتم قدوة صالحة ونموذجًا للسلف الصالح أكثر الله أمثالكم.
ونشرت مجلة الهلال في العدد 48 يونيه 858 تقول: جميل أن يعنى علماء الدين بتفسير آيات الذكر الحكيم حتى يقف المسلمون على معاني القرآن الكريم ويهتدوا بهديه ويستنيروا بضوئه فمثل هذا