الصفحة 327 من 1760

بعد أن صدع الرسول صلى الله عليه وسلم بأمر ربه بقوله لأهل الكتاب آمنا بالله وما أنزل علينا إلى آخر الآية السابقة تمنى لو أن الله سبحانه يمن عليهم جميعًا بالهداية إلى اعتناق الدين الإسلامي حتى لا يبقى على ظهر البسيطة من يعبد غير الله فرد الله على أمنيته هذه بقوله: (كيف) تريد أن (يهدي الله قومًا) لا يريدون لأنفسهم الهداية ولم يطلبوها، بل إنهم نبذوها بعد أن تبين لهم سبيلها، إذ (كفروا) برسالتلك والكفر بالرسول كفر بما أرسل به من الدعوة إلى الإيمان بالله (بعد إيمانهم) بها قبل بعثتك وتوقعهم مجيئك لما وجدوه في كتبهم من الأخبار عنك وعن صفاتك، وقد كانوا عازمين على اتباعك عند بعثتك (و) قد (شهدوا) في سرهم بعد بعثتك عندما ظهرت لهم البشارة بك وانطبقت عليك الصفات المذكورة عندهم في كتبهم المقدسة وعلموا (أن الرسول) صادق في دعواه، وأن ما جاء به من الرسالة (حق) لا ريب في أنه من عند الله، وإنما ساءهم أن تكون الرسالة في العرب بعد أن كانت في بني إسرائيل (و) قد (جاءهم) معه من الله (البينات) التي تفرق بين الحق والباطل وتبين الرشد من الغي، وبذلك توفرت لديهم كل وسائل الهداية، ولم يبق لهم بعد ذلك في الحقيقة مجال لتجاهلهم أمرها، وليسوا في حاجة إلى ما يهديهم بعد أن علموا، بل إنهم كابروا واستكبروا وحرموا أنفسهم الهداية (والله لا يهدي القوم الظالمين) فقد قضت سنته تعالى في خلقه ودستوره السماوي أن لا يهدي بآياته إلا من سلمت نيتهم، وكانوا على استعداد لقبول الهداية، ولا ينقصهم غير العلم بالحقائق متى عملوا لإدراكها، إذ هم الذين جاءت الهداية من أجلهم، أما أمثال هؤلاء المعاندين الظالمين لأنفسهم بعدم رغبتهم في الهداية الذين ألفوا الكبر والإصرار على ما رسخ في أذهانهم ولو كان على غير حق فلا سبيل إلى هدايتهم (أولئك جزاؤهم) على ما صنعوا من الكفر بعد الإيمان مع توفر أسباب الهداية (أن عليهم لعنة الله) سخطه ونقمته (والملائكة والناس أجمعين) فمن قضى الله عليه باللعنة استحق لعنة عباده واستنكارهم لصنيعه (خالدين فيها) في اللعنة لا تنفك عنهم ما داموا على ذلك (لا يخفف عنهم العذاب) الذي هو من لوازم اللعنة في الآخرة (ولا هم ينظرون) أي يمهلون لا تترك لهم فترات للاستراحة من ذلك العذاب الشديد المتواصل (إلا الذين تابوا) عن الردة بالإيمان الصحيح والعقيدة الصادقة (من بعد ذلك) الكفر فأعلنوا إسلامهم (واصلحوا) نياتهم وأعمالهم وفق شريعتك، فامتثلوا الأوامر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت