الله) أي أن الهداية من النعم التي اختص الله بها ولا تطلب إلا منه وسبيلها أن يشعر الإنسان بحاجته إليها فيكثر من سؤالها من مانحها ولذا جعلها الله مدار فاتحة الكتاب بعد الحمد والثناء وحصر العبادة والاستعانة فيه جل وعلا وكل هذا مما يستدعي رضوان الله وهدايته فمن هداه الله إلى الإيمان، واعتنقه عن عقيدة فلن يزعزعه عنه مثل هذه الأوهام والتخيلات ولا جرم (أن يؤتى) وقرئ (أأن يؤتى) بهمزتين مع تلين الثانية (أحد) من عند الله (مثل ما أوتيتم) من الهدى أو النبوة التي تزعمون أنها خصصت فيكم ولهذا تستنكرون عليهم ذلك وتحاولون فتنتهم وتضليلهم (أو) بمعنى حتى (يحاجوكم) تعليل لإيتاء الله لهم مثل ما أوتيتم من الهدى والنبوة (عند ربكم) إن لم تقبلوا ذلك منهم ويقولون اللهم إنا قد بلغناهم (قل) أيها الرسول تدليلًا على عدم استنكار ذلك (إن الفضل) أي فضل الله وكرمه (بيد الله) ومن محض إحسانه الذي (يؤتيه من يشاء) فاعل يشاء عائد إلي من أي من يعمل لطلب الفضل بالإنابة إليه وإخلاص العبادة له لا يضن الله به عليه برًا بوعده منة منه وكرمًا لا استحقاقًا (والله واسع عليم) فلا محل لأن يضيق اليهود هذا الفضل بحصر النبوة فيهم (يختص برحمته) جل وعلا (من يشاء) الفاعل عائد إلى من أي من يعمل لطلب الرحمة من الأفراد والجماعات بالرجوع إلى الله والاعتراف له بالذنوب ورجاء الرحمة والعمل الصالح لا بد أن يرحمه الله برًا بوعده تعالى في قوله «ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون الذي يتبعون الرسول النبي الأمي» أما غير هؤلاء ممن يعرض عن طلبها أو لم يكن له مطمع في نيلها فسوف يحرم منها (والله ذو الفصل العظيم) الذي لا يحد فضله ولا ينحصر في الطائعين دون المذنبين.
بعد أن بين الله سبحانه وتعالى ما يضمره بنو إسرائيل للمسلمين من سوء وما يدبرونه من مكائد لتضليلهم وتشكيكهم في دينهم، أراد أن يبين مبلغ احتقارهم لهم واعتقادهم بأنه لا ذمة لهم، لأن الكتاب لم ينههم عن خيانتهم، وأنهم إنما يعاملونهم بحسب ما توحي إليه ضمائرهم - باعتبارهم شعب الله كما يسمون أنفسهم - تكرمًا منهم وفضلًا حيث قال (ومن أهل الكتاب) والمراد بهم بنو إسرائيل (من إن تأمنه بقنطار يؤده) بكسر الهاء وقرئ بسكونها وقرئ «يوده» بدون همزة (إليك) لما جبلت عليه نفسه من الحرص على أداء الأمانة، ومن هؤلاء عبد الله بن سلام وأصحابه (ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائمًا) بالمطالبة أو بتوفر أدلة الثبوت وسلطة