كان عليه أهل عصره من الشرك والضلال وعبادة الأوثان (مسلمًا) متوجهًا بوجهه إلى الله وحده، وهو أول من فكر في التعرف بمولاه عن طريق مخلوقاته، والبحث في آياته الكونية حتى أتاه الوحي بالخبر اليقين فكان أول المسلمين (وما كان) بفطرته (من المشركين) الذين يدعون أنهم على ملته من كفار قريش ومن على شاكلتهم ممن يعبدون الأصنام المنحوتة بأيديهم من الحجارة أو يلتمسون منهم البركات ويدعونهم من دون الله (إن أولى الناس بإبراهيم) أحقهم بالانتساب إليه (للذين اتبعوه) في حياته وتركوا عبادة الأوثان وآمنوا معه بالله وحده وأخلصوا له العبادة عن بينة ويقين (و) أيضًا (هذا النبي) بضم الياء وقرئ بفتحها وكسرها (والذين آمنوا) معه واتبعوه لأسباب: منها أنهم نتيجة دعوة إبراهيم، ومنها أنه هو الذي سماهم المسلمين ومنها أن الله قد أخبر أن ملتهم هي ملة إبراهيم، ومنها أن شريعتهم فعلًا تقوم على نفس الأسس التي رسمها إبراهيم لنفسه من التوحيد الخالص وإنكار كل زائل وبغض الشرك وتحطيم الأصنام، وتطهير الباطن من الرياء، وبذل الروح في سبيل إعلاء كلمة الله، أما أولئك الذين زاغوا عن الحق وتنازعوه، فمنهم من قال إنه كان يهوديًا، ومنهم من قال إنه كان نصرانيًا، ووقائع التاريخ تكذبهم جميعًا حيث إن شريعة اليهود كان مبدؤها التوراة التي أنزلت على موسى وهو من ذرية يعقوب عليهما السلام، وما ظهر موسى إلا بعد نحو ألف سنة من نهاية إبراهيم، وعيسى ما جاء بالإنجيل إلا من بعده، فمزاعمهم لا شك باطلة، ولا حق لهم في الانتساب إليه (والله ولي المؤمنين) المتمسكين بشريعة الإسلام التي هي ملة إبراهيم والذين لا يتوجهون في حاجاتهم إلى غير الله، ويخلصون أعمالهم له سبحانه في جميع الحالات، جعلنا الله منهم إنه سمع مجيب.
بعد أن بين الله ما كان عليه أهل الكتاب من إثارة الفتن فيما بينهم واشتغالهم بالجدل فيما لا حقيقة له من أمر عيسى وإبراهيم وإعراضهم عن الحقائق أخذ ينبه المسلمين إلى ما يضمرونه من شر نحوهم فقال (ودت طائفة من أهل الكتاب) ممن حولكم أيها المسلمون (لو يضلونكم) عن دينكم إن استطاعوا، كما حصل في الماضي من اليهود، إذ دعوا حذيفة وعمارًا إلى اليهودية، وكما يحصل في كل وقت من جماعة المبشرين (وما يضلون) في الواقع (إلا أنفسهم) لأنهم بإشغال أوقاتهم بإضلال غيرهم يصرفون أنظارهم عن تدبر آيات الله التي جاء بها الرسول، فيحرمون من الاستفادة منها والهداية بهديها الصحيح (وما يشعرون) بمبلغ الخسارة التي لحقت بهم من جراء ذلك (يا أهل