الصفحة 319 من 1760

بل لقد تمادى بعض هؤلاء الآن في الضلال إلى حد لم يبلغه كفار قريش من قبل، ذلك أنهم أصبحوا لا يؤمنون بالله في سرهم إيمانًا كإيمانهم، ولا يثقون بالله تعالى أنه هو الذي يجير ولا يجار عليه، وأنه تعالى المعطي المانع، الذي يوزع بين عباده الرزق كما يشاء، بل هم يؤمنون بالمادة ويعتمدون على أنفسهم في حل مشاكلهم ودفع الضرر عنهم أكثر من اعتمادهم على الله خالقهم، ولذلك لم يفكروا في اللجوء إليه وطلب المعونة منه جل وعلا، رغم ما هم فيه من بلاء، وما أصابهم من مصائب وويلات.

ما كاد رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتهي من إقناع أهل الكتاب بحقيقة عيسى عليه السلام، ويدعوهم إلى الاتحاد وجمع الكلمة حول أساس الدين، إذ يثير النصارى واليهود فتنة حول ديانة إبراهيم عليه السلام، فقد كان موضع إجلال الفريقين منهم لما وجدوه في كتبهم من الثناء عليه كما كانت قريش أيضًا تجله وتدعي أنها على دينه فزعم كل فريق أنه عليه السلام منهم، وترافعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت عليه هذه الآية (يا أهل الكتاب) من اليهود والنصارى (لم تحاجون في) ديانة (إبراهيم) ويزعم كل منكما أنه كان على دينه (و) شواهد الحال تكذبهم جميعًا فيما يدعون، وأكبر برهان على ذلك هو أنه (ما أنزلت التوراة) على موسى عليه السلام (والإنجيل) على عيسى عليه السلام (إلا من بعده) حيث كان بينه وبين موسى ألف سنة، وبين موسى وعيسى ألفا سنة، فكيف يكون المتقدم على دين المتأخر (أفلا تعقلون) هذا وكان الأجدر بكم أن تبحثوا عن شريعته وتعاليمه فتتبعوها بدلًا من أن تتنازعوا في انتساب كل فريق منكم إليه ما دمتم مجمعين على أنه كان مثلًا أعلى في التقوى والصلاح (ها أنتم) بالمد والهمزة وقرئ بالمد من غير همزة وقرئ بالهمزة من غير المد بعد الهاء، وقرئ بغير همزة ولا مد إلا بقدر خروج الألف الساكنة والقصر على وزن صنعتم (هؤلاء حاججتم) أي أدلى كل منكم بحجة واهية لا تمت إلى الحقيقة بصلة واختلفتم (فيما لكم به علم) من أمر عيسى وهو قريب عهد بكم، فمنكم من قال إنه إله ومنكم من قال إنه دعي كذاب، وقد أتيتكم بالقول الفصل فيه من ربكم (فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم) بالمغالطة مع الجهل وسوء القصد في أمر تقادم الزمن عليه بقولكم إن إبراهيم كان يهوديًا أو نصرانيًا (والله يعلم) حقيقة إبراهيم (وأنتم لا تعلمون) فالواجب يحتم عليكم تصديق ما يخبركم به عن رب العزة وهو قوله (ما كان إبراهيم يهوديًا ولا نصرانيًا ولكن كان حنيفًا) مائلًا عن كل ما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت