فالمسلمون واليهود والنصارى متفقون جميعًا على أن الله هو المتصرف في العالم، وهو خالقه ومدبره، وهو الذي أرسل للناس الرسل ليعرفوا ما يرضيه وما لا يرضيه من الأعمال وإذا كان في نبأ المسيح ما يشعر بأنه ابن الله فإنه يجب تخريجه على وجه لا ينقض الأصل الثابت الذي اتفق عليه الأنبياء من أن الله تعالى ليس من البشر ولا يشبه البشر في شيء وأنه لم يتخذ صاحبه ولا ولدًا، وأن معنى ابن الله أنه كان وجد بكلمة منه أي بمجرد أمره على غير سنته في البشر التي تقتضي بالتوالد من اجتماع ماء الرجل والمرأة. وفي هذا يقول الله في القرآن «إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون» ومما لا جدال فيه أن المسيح عليه السلام لم يدَّع لنفسه الألوهية، ولم يدع الناس إلى عبادته وعبادة أمه قط، ولم ينكر أحد أنه كان يدعو إلى عبادة الله والإخلاص له بصريح القول، وقد روى القرآن الكريم حديثًا عن عيسى عليه السلام يقرر فيه حقيقة دعوته بقوله «وإذ قال الله يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب، ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن أعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدًا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهد» .
والأديان جميعًا إنما جاءت بعقيدة التوحيد لتحرر البشر من العبودية والخضوع لغير الله، ولتغرس في قلبهم روح الشجاعة والعزة، وتقضي على ما بينهم من أسباب التخالف والتنازع والتنافر، لتحل محلها المحبة والألفة والأخوة الصادقة، والأديان هي طريق الاتحاد في الغاية وسبيل العمل لرضاء الله وحده، وابتغاء رحمته ومعونته دون سواه، على أن هذا لم يرض بعض علماء الأديان، فراحوا يقدسون أنبياءهم وصلحاءهم الميتين، ويزعمون أن لهم عند الله من النفوذ ما يجعلهم قادرين على تحقيق الآمال وتفريج الكربات حيث قد منحهم الله حق التصرف في الكائنات على زعمهم، ومنهم من يقول: إن الالتجاء إلى التصرف في الكائنات على زعمهم، ومنهم من يقول: إن الالتجاء إلى أمثال هؤلاء ودعاءهم في الشدائد والملمات، ما هو إلا وسيلة للتقرب إلى الله، لأن لهم من المكانة عنده ما يؤهلهم للشفاعة لديه لمن يشاؤون، وأنهم يستطيعون بحكم هذه الصلة بالله أن يرفعوا العذاب عمن يريدون، إلى غير ذلك من الترهات؛ ويزعمون أن الدعاء ليس بعبادة، إذ العبادة في نظرهم هي الأعمال التعبدية فقط، وقد أوضحنا خطأ ذلك في أول هذا البحث، وجاء