الصفحة 307 من 1760

تتصورين يا مريم، فإن الله لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء فإنه (إذا قضى أمرًا) صغيرًا كان أو كبيرًا وتعلقت إرادته به (فإنما يقول له كن فيكون) إذ أنه سبحانه في تصرفاته غير مقيد بالأسباب، لأنه سبحانه مصدر الأمر في إيجاد الأسباب نفسها وهو المسبب والميسر والمساعد، ولو شاء لقطع الأسباب ومنعها وهي مخلوقة بأمره ومن ضمن أنظمته في خلقه، فلا تأثير لها بالذات في الخلق والتكوين، والخلق والتكوين إنما يكونان من تعلق الإرادة بإيجاد ذلك الشيء الذي يقضي به الله، وكذلك الحال في الأسباب نفسها التي تسبقه فهو الخالق للسبب والمسبب، وهو سبحانه الذي يقر في الأرحام ما يشاء (ويعلمه) الله وقرئ «ونعلمه» بالنون بدل الياء قراءة (الكتاب) وخطه (و) فهم (الحكمة) في كل شيء (والتوراة) التي أنزلت على موسى من قبل (والإنجيل) الذي سينزل عليه (و) يبعثه (رسولًا) من قبله (إلى بني إسرائيل) قائلًا لهم (أني قد جئتكم بآية من ربكم) تدلكم عليه، وهي على ثلاث درجات الأولى: تحملكم على الإيمان بأني ما خلقت إلا بمجرد كلمة التكوين وذلك (أني) بفتح الهمزة وقرئ بكسرها (أخلق لكم من الطين) شبحًا (كهيئة الطير) على السنن التي خلق الله بمقتضاها آدم من قبل (فأنفخ فيه) بنفسي (فيكون طيرًا) تدب فيه الحياة (بإذن الله) لأريكم أنه إذا أمكن لبشر أن يفعل العجائب، ويتخطى الأسباب والعادات، وينفخ في الطين فيكون طيرًا بإذن الله، فليس غريبًا أن يخلقني الله بكلمة منه من مريم بدون أب، فهو سبحانه وتعالى يخلق ما يشاء من غير تقييد بشيء من الأسباب الظاهرة بل بمجرد تعلق الإرادة منه جل وعلا. فيحملكم على الإيمان بقدرة الله الكاملة على الخلق والتكوين وعلى زيادة الإيمان بخلقه لي من غير أب (و) الثانية تدلكم على مبلغ وجاهتي عند الله في الدنيا والآخرة، فقد منحني سبحانه وتعالى القدرة على شفاء الأمراض المستعصية وإحياء الموتى من غير لجوء إلى وسيلة من الوسائل التي تألفونها، إذ أني (أبريء) بدون علاج (الأكمه) فيبصر ما حوله في الحال (والأبرص) فيشفي ويعود لجلده الطبيعي (وأحيي الموتى) فتعود لهم الحياة وكل ذلك (بإذن الله) الذي وهبني القدرة على ذلك أي بإجازة منه سبحانه وتعالى لا بحولي ولا بقوتي ولا سلطاني لأريكم أنه لولا وجاهتي عنده لما أذن لي به ولما أمكنني أن أفعل شيئًا من ذلك فيحملكم هذا على الاعتقاد بأنه سبحانه هو وحده الشافي المعافي مانح الحياة الذي لا يرجى غيره ولا يعول على سواه فلا تنسبوا لشخصي شيئًا من ذلك (و) الثالثة تؤكد لكم مبلغ قربي منه سبحانه وتعالى إذ أنه أطلعني على جانب من المغيبات

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت