الصفحة 306 من 1760

الغرور بهذا الاصطفاء والتخصص بهذا الشرف الأسمى (واسجدي واركعي مع الراكعين) ولا تحسبي أن ما نلته من درجة ومكانة عند الله يجعلك في غنى عن كثرة الصلوات، شأنك في هذا شأن سائر عباد الله الصالحين (ذلك) ما قصصناه عليك أيها الرسول من أخبار مريم وزكريا (من أنباء الغيب) التي لم تشهدها أنت ولا أحد من قومك وإنما نحن (نوحيه إليك) لتكون ملمًا بأخبار من سبقك وتأخذ لك منه العظة وتتخذ منه دليلًا على تعليم الله لك أيها النبي الأمي، وإلا فمن أين لك هذا (وما كنت لديهم) في ذلك العهد ساعة (إذ) كانوا (يلقون أقلامهم) وهي سهام كانوا يقترعون بها فيما بينهم ليتبينوا (أيهم يكفل مريم) لما أودع الله في قلوب الجميع من الرغبة في أداء هذا الواجب نحوها (وما كنت لديهم إذ يختصمون) على موضوع الكفالة من قبل.

بعد أن أخبر الله نبيه بأمر اصطفاء مريم على نساء العالمين، أردف ذلك بقصة حملها بعيسى عليها السلام فقال (إذ قالت الملائكة) وهذه الآية بدل من قوله «إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك» أي إن الملائكة بشرت مريم بالولد الصالح حين بشرتها باصطفاء الله لها بقوله (يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه) أي بولد يأتي بمجرد كلمة التكوين وهي قوله تعالى «كن فيكون» من غير ارتباط بسبب من الأسباب التي تؤدي إلى إيجاد الولد في العادة والعرف العام (اسمه) اسم الولد المبشر به (المسيح عيسى ابن مريم) فهو الولد الوحيد الذي يدعى لأمه (وجيهًا في الدنيا) بما يكون له من المكانة الثابتة في القلوب ومن حماية الله تعالى له من حديث العار عند حملك له من غير من البشر حيث أنطقه في المهد على غير عادة وحفظه من أعدائه برفعه حيًا إلى السماء (والآخرة) بعلو الدرجات واعتباره من صفوة الأنبياء (ومن) عباد الله (المقربين) إليه عز وجل المحبوبين لديه (ويكلم الناس) يملك القدرة على المخاطبة وكمال الإدراك من ساعة ولادته ووضعه (في المهد وكهلًا) على حد واحد وصفة واحدة، إذ أنه منح العقل دفعة واحدة لا تدريجيًا كما هو شأن باقي الناس (ومن الصالحين) لأداء الرسالة والقيام بواجب الدعوة التي نذرتك أمك من أجلها يوم كنت في بطنها (قالت) مريم (رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر) وقد جرت العادة أن الجنين لا يتكون في أحشاء المرأة إلا باجتماع ماء الرجل والمرأة، فكيف يكون موقفي أمام قومي وكيف أتقي اتهاماتهم لي؟ (قال) الله جوابًا على قولها هذا (كذلك) كما علمت من قبل أن يرزق من يشاء بغير حساب فإن (الله) أيضًا (يخلق ما يشاء) دون تقيد بقانون الأسباب المعتاد بل إن الأمر فوق ما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت