بالإحسان إلا إذا جاءهم من غير كسب أو عناء، والرزق الذي يأتي نتيجة السعي قد يكون متكافئًا مع درجة الجهد والعمل، وهذا من شأنه أن يوهم صاحبه إنه إنما ناله عن علم أو عمل فيقول كما قال قارون «إنما أوتيته على علم عندي» فمن شاء الرزق رزقه الله بحسب ما يعلم من حاجته إليه بمقتضى سننه الموضوعة لذلك باعتبار أنه تعالى قد أمر العباد بالسعي، وأخبر أنه يراه، فلا بد أن يجزي عليه العاملين، كما أنه عندما أمر بالعبادات ووعد بالثواب عليها، فسوف لا يخلف وعده يوم الدين، ومن لم يشأ الرزق بأن لم يستطع العمل له كالطفل والعاجز مثلًا فقد تعهد الله برزقه باعتباره تعالى هو الخالق له، المتكفل برزقه من واسع كرمه وجوده، على أن الرزق في الحالين ما هو إلا من محض كرم الله سبحانه لأنه لم يكن منه في مقابل شيء يعود نفعه عليه جل وعلا، والغنى والفقر ليسا دليلًا على الصلاح والسعادة فقد رود في حديث قدسي يقول الله جل جلاله «إن من عبادي من إذا أغنيته فسد حاله وإن من عبادي من إذا افقرته صلح حاله» وهو سبحانه لا يختار لمحبيه إلا ما يرى فيه صلاحهم.
لقد كان نبي الله زكريا رجلًا يعلم أن لله في رزق عباده أنظمة كونية لا بد منها وأن السماء لا تمطر ذهبًا ولا فضة، ولذلك فإنه كان يأخذ بالأسباب ويقتات من مزاولة أعمال التجارة وكان يائسًا من الذرية لأنه رجل طاعن في السن وامرأته عاقر لا تلد، ولكنه عندما لاحظ وجود رزق عند مريم لم يعهده وسألها عنه فقالت إنه من عند الله وأن الله يرزق من يشاء بغير حساب، أثارت في نفسه هذه الحقيقة فكرة اللجوء إلى الله في طلب ولد يخلفه خصوصًا وأنه في أشد الحاجة إليه لكبر سنه و (هنالك) في ذلك المكان أو في تلك اللحظة (دعا زكريا ربه) بقلب ممتليء يقينًا وثقة بالإجابة (قال رب هب لي من لدنك) وبمحض قدرتك (ذرية طيبة) تعمل على مرضاتك والدعوة إليه (إنك سميع الدعاء) واجعل اللهم من دعائي هذا سببًا لحصول ما أرجوه من الذرية الطيبة (فنادته) وقرئ «ناديه» بالتذكير والاماله (الملائكة) جماعتهم (وهو قائم يصلي) في أثناء دعائه (في المحراب) ولعله المحراب الذي كانت فيه مريم والذي وجد فيه عندها الرزق (أن) وقرئ «إن» بكسر الهمزة (الله يبشرك) بتشديد الشين وقرئ بتخفيفها على وزن ينصرك، يا زكريا باستجابة دعائك، وأنه تعالى قد أنعم عليك (بيحيى) أي بولد اسمه يحي وقدر له تعالى أن يكون (مصدقًا) بالرسول الذي سيخلق (بكلمة من الله) وهو الذي أشير إليه في آية أخرى بقوله: «يا مريم إن الله يبشرك بكلمة