الصفحة 303 من 1760

النذر واجعله من أنبيائك المرسلين (إنك أنت السميع) لدعائي (العليم) بإخلاصي وعظيم ثقتي في قبولك لنذري وتحقيق أملي (فلما وضعتها) أي ما في بطنها ووجدته أنثى لم تجزع ولم يغير ذلك شيئًا من ثقتها بالله بل (قالت) في أمل وبشر عظيم (رب إني وضعتها أنثى) ولا اعتراض لي في حكمك (والله) سبحانه وتعالى (أعلم بما وضعت) بسكون التاء وقرئ بضمها أي وأنت اللهم أعلم مني بما وضعته من قبل علمي به وقرئ بكسر التاء على أنه من كلام الله (وليس الذكر) الذي كنت أرجو أن يكون نبيًا (كالأنثى) التي وضعتها بحسب ما أفهم ولكنك أدرى بحكمتك في هذا، فقد نذرت لك ما في بطني ومن حقك التصرف في أمره بما تراه (وإني سميتها) وأطلقت عليها اسم (مريم) ومعناها في لغتهم العابدة، لتفرغ لعبادتك وإن لم تصلح لرسالتك (وإني أعيذها) وأحصنها (بك و) كذلك (ذريتها من) غواية (الشيطان الرجيم) فلا تجعل اللهم له سبيلًا عليهم (فتقبلها ربها بقبول حسن) مقدرًا إخلاص والدتها وحسن ثقتها به ومحبتها له (وأنبتها) أي جعلها تنشأ وتنمو (نباتًا حسنًا) أي نشأة طيبة قائمة على الصلاح والعفة ووافر الثقة بالله (وكفلها زكريا) بتشديد التاء وقصر زكريا ومده وقرئ بتخفيف الفاء زوج خالتها نظرًا لوفاة والدها عمران وهي في بطن أمها حتى بلغت أشدها، وتفرغت لعبادة ربها في مقصورة خاصة بها تحقيقًا لنذر أمها، وكان مما يلفت النظر أنه (كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقًا) زائدًا عما كان يأتيها به، حتى قيل إنه كان يجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء (قال يا مريم أنى لك هذا) الرزق ولم آت به إليك فمن أين جاءك ومن قدمه إليك؟ (قالت هو من عند الله) لأني لم أر أحدًا جاء به فوجب أن يكون بقوة غيبية بقدرته سبحانه وتعالى (إن الله) مقدر الأرزاق ومسبب الأسباب (يرزق) كل حي في الوجود بقدر ما يعلم أنه في حاجة إليه بمقتضى ما سنه تعالى من نظام العمل وترادف الأسباب والمسببات في هذه الحياة، كما يمن سبحانه على (من يشاء) الرزق بمعنى يعمل للحصول عليه (بغير حساب) أي غير مقيد بمقدار عمل العامل بل بحسب ما يعلم سبحانه أنه في حاجة إليه أو مطالب به من نفقة من تعهد الله برزقهم وجعله عن طريقه ومن كان هذا شأنه فإنه لا يعجزه أن يرزق من يريد من وافر كرمه رزقًا غير داخل ضمن نطاق الحصر، ولا مرتبط بسبب، بل من حيث لا يحتسب وبمحض قدرة الله التي يعبر عنها الناس بالحظ والنصيب، لتتجلى بذلك صفة الرحمة والكرم الإلهي، فالناس لا يشعرون

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت