عليكم والله يأمركم بقوله (أطيعوا الله) بأداء ما خلقكم من أجله (والرسول) فيما جاء به في القرآن عن ربه من التوحيد وعدم الشرك، وإخلاص العبادة له، وأداء ما فرضه عليكم، واجتناب ما نهاكم عنه (فإن تولوا) عن هذا وأعرضوا عن أساس الدعوة (فإن) عملهم هذا يعد كفرًا و (الله لا يحب الكافرين) وحسبهم نكالًا أن كانوا من الذين غضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم سعيرًا.
بعد أن بين الله للمؤمنين سبيل الظفر بمحبته ونيل رضوانه، أراد سبحانه أن يخبرهم أن له تعالى أن يصطفي من عباده من يريد دون كسب منهم، أو نتيجة كسبهم فيوجههم إلى الخير ويجعلهم مثلًا عاليًا للبشر في كمال الإيمان ومزايا الصلة بالله وضرب مثلًا للأولين بآدم أول الأنبياء ونوح أول المرسلين الذي أوحي إليه «أن أنذر قومك» وضرب مثلًا للآخرين بآل إبراهيم الذي كان أول من اهتدى إلى ربه بفكره قبل أن ينعم الله عليه بوحيه ثم بآل عمران للسبب الذي ذكره وهو أن امرأته نذرت ما في بطنها لخدمة بيت المقدس مع أن الناس عادة لا يطلبون الولد إلا لخدمتهم فقال (إن الله اصطفى آدم) فجعله أول السلالة البشرية ونواة عمار الكون وتجاوز عما بدا منه من عصيان (ونوحًا) فجعله وسفينته آية للعالمين (وآل إبراهيم) فجعل فيهم النبوة والرسالة للخلق أجمعين (وآل عمران) فتجلى من أجله بقدرته على العالمين حيث جعل ابنته مريم تنجب ولدًا من غير أب، وآتاه من المعجزات ما لم يؤت نبيًا قبله حيث أنطقه في المهد صبيًا، ومكنه من إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن منه تعالى (على العالمين) فجعلهم من خيرة المقربين إليه (ذرية) طيبة مباركة، تناسل (بعضها من بعض) فهم أشباه متماثلون في شرف الدعوة إلى الله، فآل إبراهيم قد خصهم الله بالنبوة وآل عمران وإن لم يكن منهم ولد ذكر يصلح للنبوة إلا أن الله لم يحرمهم من هذا الشرف، فجعل من نسل ابنته نيبًا من خيرة الأنبياء والمرسلين وهو عيسى عليه السلام (والله) من عظم كرمه وفضله (سميع) لكل من يدعوه بإخلاص (عليم) بمن يخلص له الإيمان والنيات ومن أجل هذا اصطفى سبحانه آل إبراهيم عندما رآه ناقمًا على ما كان عليه قومه مناصبًا أباه العداء من أجله دون أن يعبأ بما أعدوه من نار، وهجرهم ولجأ إلى مولاه قائلًا، «رب اجعل هذا البلد آمنًا واجنبني وبني أن نعبد الأصنام» واصطفى آل عمران (إذ قالت) حنة بنت فاقوذا (أمرأت عمران) وهو من نسل يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم (رب إني نذرت لك) قربة إليك (ما في بطني) من ولد سأجعله (محررًا) من جميع التكاليف متفرغًا لخدمتك وحدك والدعوة إليك (فتقبل مني) هذا