من الحي) كإخراج اللبن من الحيوان والبيضة من الطير والكافر من المؤمن (وترزق من تشاء) رزقه ممن قضيت له بالحياة بنفخ الروح فيه تفضلًا منك وكرمًا (بغير حساب) أي بدون مقابل عمل ولا جهد منهم وأكثر مما يتوقعون لأنفسهم إذا أردت لأن العطاء على قدر الاستحقاق هو الذي يسمى حسابًا وعمل الإنسان لا يفيد الله شيئًا فلا يمكن أن يكون الرزق محسوبًا عليه ومرتبطًا به، بل إن الرزق فضل وكرم منه سبحانه وتعالى قدره سبحانه لكل حي حتى الطفل الصغير والحيوان الأعجم، والعمل من الناس واجب عليهم يؤدونه شأن الموظف في الدولة فرض له راتب وكلف بالعمل فهو يأخذ راتبه في نهاية الشهر أما عمله فعائد إلى ذمته ومبلغ إخلاصه، ولذلك نظام مستقل للترقية والتأديب، مع الفارق العظيم بالنسبة للخالق جل وعلى، فإذا كان للدولة أن تحاسب موظفها يومًا ما، وترقي من يستحق الترقية، وتعاقبه بقطع المرتب عنه في حالة التقصير، فإن الله جل جلاله قد أخذ على نفسه أن لا يحرم العاملين من جزاء أعمالهم، وجعل لترك الواجبات عقوبات أخرى غير قطع الرزق حيث قال في كتابه الكريم: «ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة» بل إنه لم يربط الرزق بالسعي حيث قال «وقل اعملوا فسيرى الله عملكم» وأخبرنا أن الأسباب التي من شأنها أن تؤدي إلى سعة الرزق إنما هي كثرة الاستغفار ودوام الشكر وتقوى الله في قوله «استغفروا ربكم إنه كان غفارا، يرسل السماء عليكم مدرارا، ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا» وقوله: «لئن شكرتم لآزيدنكم» وقوله: «ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب» .
بعد أن نبه الله رسوله إلى ما ينبغي أن يعلمه الناس من أن كل شيء في الحياة إنما يسير وفق ما اقتضته مشيئته تعالى من نظام قضائه وقدره وأن تملك الكافرين أو عزهم ما هو إلا نتيجة اتباعهم لنظم الكون وسنن الحياة الاجتماعية لا خارجًا عن مشيئة الله، فهم والحالة هذه إنما يستمدون قوتهم من الله وليس لهم أي سلطان إلا من بعد إذنه ولا يملكون لأنفسهم فضلًا عن غيرهم نفعًا ولا ضرًا ولذا قال (لا يتخذ المؤمنون) بالله حق الإيمان (الكافرين) أعداء الله ورسوله (أولياء) يحبونهم بقلوبهم ويكاشفونهم بأسرارهم ويثقون بمناصرتهم لهم (من دون المؤمنين) لئلا تؤدي تلك المحبة والموالاة إلى التفريط في حقوق الله وواجب المؤمنين، ولأن عدواتهم للإسلام ثابتة متأصلة فلا يؤمن استغلالهم لتلك المحبة الشخصية للإيقاع بالإسلام والكيد لجماعة المسلمين،