قضت به مشيئة الله من أن مجرد الإيمان وطلب الغفران لا يكفي بل لا بد أن يعملوا ما يستحقون عليه المغفرة بقوله:
«فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيآتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا من عند الله والله عنده حسن الثواب» وما دام ثواب الآخرة لا ينال إلا بالعمل فإن سعادة الدنيا لا تكون إلا بتطبيق ما سنه الله من سنن وما قضى به من دستور، أما أولئك الذين يأبون إلا القول بأن سعادة الإنسان وشقاءه أمر مفروغ منه بما قضى به تعالى في الأزل وخطه بالقلم في اللوح المحفوظ لديه، فلا أخالهم إلا مقيّدين لسلطان الله وقدرته على كل شيء ومتجاهلين قوله تعالى في كتابه الكريم: «يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب» ، فمن هو الذي يعلم بما كتبه الله في كتابه عن خلقه، ومن الذي يجرأ أن يناقشه فيما أثبت أو محا في أم الكتاب عنده، ولا يعلم الغيب إلا الله، ونحن لا نملك إلا أن نقرر ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فقد قال: (تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنتي) وقال: (من اقتدى بكتاب الله لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة) ثم تلا قوله تعالى: «فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى» ، ونعمل وفق ذلك ونجزم بأنا سنسعد في الدنيا ولا نشقى في الآخرة برًا بوعد الله الذي لن يخلف أبدًا.
بعد أن أكد الله في مبدأ هذه السورة أن ذلك الكتاب إنما أنزل هدى للمتقين وبين فيها صفات هؤلاء المتقين، وأصول الإيمان، وأحوال الكافرين والمنافقين، وكثيرًا من الأحكام وحث المؤمنين على اتباعها ختم سبحانه السورة بشهادة منه لهم بالتسليم والانقياد والسمع والطاعة ورجاء الرحمة والإحسان فقال (آمن الرسول) محمد بن عبد الله (بما أنزل إليه) عن طريق الوحي (من ربه) فاهتدى بهديه وتخلق بخلقه ونفذ أحكامه ودعا بدعوته (والمؤمنون) المصدقون له (كل) منهم أيضًا (آمن بالله) أنه الرب الموجد لجميع المخلوقات المالك لجميع الكائنات المتصف بجميع صفات الكمالات التي وصف بها نفسه المنفرد بالألوهية الذي لا يستحق العبادة أحد سواه (وملائكته) أي آمنوا بالملائكة الذين هم خلق من خلقه وجند من جنوده لا يعصون الله ما أمرهم