وتتحكم الأهواء (فيغفر) بضم الراء وقرئ بإسكانها سبحانه لا محالة (لمن يشاء) لقد أعاد المفسرون جميعًا الضمير هنا إلى الله وبني الفقهاء على هذا قولهم أن له تعالى أن يعذب الطائع ويثيب العاصي ولكني أعارض في هذا لما فيه من نسبة الاستبداد لله وعدم التقيد بالعدالة وأجزم أن الضمير عائد إلى من يعني العبد وأن المعنى أن الله من محض عدله وكرمه قد أخذ على نفسه عهدًا لمن يخلفه هو أنه تعالى يغفر لكل من استغفره وأناب إليه برًا بوعده في سورة طه إذ يقول «وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحًا ثم اهتدى» وقوله في سورة النساء «إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليمًا حكيمًا» وقد ترك الله لعباده بعد هذا الوعد الصريح الخيار المطلق في أن يعملوا للمغفرة فينالوها حتمًا إذ يبدل الله سيئاتهم حسنات ويتغمدهم بواسع رحمته، والعلماء سامحهم الله قد اشترطوا في حصول الغفران شروطًا قاسية أبسطها التوبة من جميع الذنوب وأداء الفرائض والإكثار من السنن ومع ذلك علقوا أمر قبولها إلى إرادة الله إن شاء قبلها وإن شاء رفضها فلم يعد هناك اطمئنان إلى النجاة أو ثقة في نيل غفران الله مع أن الباحث في آيات القرآن وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم يجد الأمر على عكس ذلك. فالله سبحانه قد سن طريق الخير وطريق الشر وأرشدنا إلى سبل السعادة وتحقيق الرغبات ودعا عبادة إلى طلب الغفران منه ووعد به كل راغب ولم يشترط لذلك أكثر من الرجوع إلى الله بطلب الغفران حيث أخبرنا جل جلاله في القرآن أن غفران ذنب آدم وحواء إنما كان نتيجة لكلمات تلقاها من ربه وهي «قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين» كذلك سيدنا موسى عندما وكز عدوه فقضى عليه «قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له أنه هو الغفور الرحيم» . وهذا أكمل درجات الاستغفار لأنه لا يقتصر على مجرد الاعتراف بالذنب وطلب غفران بل إنه ليعبر عن ظلم الإنسان لنفسه بحملها وهو بكامل الاختيار على ارتكاب الذنوب واتباعه للشيطان مخالفًا في ذلك أمر ربه وبمقدار ما يكون الإثم عظيمًا يكون الاعتراف به فضيلة والتجاوز عنه أكبر، وفضل الله واسع ورحمته لا تحد. كذلك لما استغفر دواد ربه وخر راكعًا وأناب قال تعالى «فغفرنا له ذلك وأن له عندنا لزلفى وحسن مآب» ذلك لما يحمله الاستغفار في ذاته من معنى كبير هو الإيمان بالله واليقين الكامل بصحة ما جاء في كتبه من عذاب العصاة وأنه تعالى الذي شرع العذاب قد أخذ على ذاته العلية أن يغفر للمستغفرين