الصفحة 261 من 1760

الحق بطريق يعلمها سبحانه (ولا تكتموا) أيها المسلمون (الشهادة) إذا حاول المدين إنكار الدين (ومن يكتمها) عند طلبه لأدائها (فإنه آثم قلبه) بضم الباء وقرئ بفتحها وقد أسند الذنب للقلب لأنه سلطان الأعضاء ومحل لإخفاء الحقيقة ولما ينجم عن ذلك من الحقوق وإلحاق الضرر بالناس (والله بما تعملون) من أفعال القلوب والجوارح (عليم) لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.

بعد أن بين الله للمؤمنين نظام المعاملات وأمرهم بمراقبته وتقواه في كل شيء وأخبرهم أنه سيعاقبهم حتى على أعمال القلوب ككتمان الشهادة وهو سبحانه لا يخفى عليه شيء مما يعملون، عقب ذلك بما يشعرهم بموقفهم منه سبحانه وتعالى في هذا فقال (لله ما في السموات وما في الأرض) من جميع المخلوقات والقوى الخفية التي تسير العالم طبقًا لما وضعه من سنن وقواعد ثابتة تربط الأسباب بالمسببات والمقدمات بالغايات وتجعل للنفس البشرية القدرة الكاملة على التصرف في كثير من المخلوقات والاستفادة من معظم القوى وتستخيرها فيما تريد فكل ما في السموات والأرض هو ملك له ومنبعث من قوته جل وعلا والإنسان في هذه الحياة الدنيا إنما يسعى ويبطش بما لديه من قوة الروح التي مكنته من ذلك والتي هي من أمر الله وقد وهبها له سبحانه ليتمكن من أداء مهمته في الحياة ويساهم بنصيبه في عمارة الكون. وإرادة العبد مؤثرة في عمله كتأثير الأسباب في المسببات وخواص الأعشاب في الأمراض تأثيرًا غير لازم من نفسها بل مستمد من عطاء الله ومشيئته الذي ربط الأسباب ببعضها واقتضت إرادته العلية الذاتية أن يكون للنفس كامل الحرية في اختيار ما تريد وتنفيذ ما تشاء بما منحها من ملكة العقل الذي تستطيع بواسطته التمييز بين الحق والباطل وتملك القيام بعمل الخير والشر وهي مدار التكليف وسبيل الثواب والعقاب (و) لذا اقتضت إرادته فيكم أنكم (إن تبدوا ما في أنفسكم) بإتيان عمل السوء الذي نهاكم الله عنه (أو تخفوه) بأن تعقدوا النية على إتيانه إذا سنحت لكم الفرصة، ولا يندرج في هذا ما لا يخلو عنه البشر من الوساوس وأحاديث النفس التي لا عقد ولا عزيمة فيها، إذ التكليف حسب الوسع (يحاسبكم به الله) أي بمقتضى أعمالكم وفق ما أنزله من الشرائع التي وضعها سبحانه لاستقامة شؤون العالم وضمان عمارة الكون على أحسن حال والتي تنص على بيان ما هو نافع وما هو ضار بالأمر والنهي والتحليل والتحريم والجزاء والعقاب لئلا تسود الفوضى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت