الصفحة 249 من 1760

سر لا يعرف ودليلي على أن الروح قوة من قوى الله أن الله تبارك وتعالى لم يكرم آدم ويأمر الملائكة بالسجود له إلا عندما تفضل فنفخ فيه من روحه، فالتكريم إذًا لم يكن لشخص آدم بل لروحه التي نفخها فيه، وقد جهل هذا إبليس فغوى، وإن في قوله تعالى «ونفخت فيه من روحي» ما يصور لنا حقيقة النفح بأنه لم يكن سوى مجرد تسلط قوته تعالى على جسم الإنسان، وأن هذا هو الذي أكسبه الحياة والحركة كتسلط التيار الكهربائي من المستودع العام في الأسلاك الممتدة في الفروع بحيث يجعلها محلًا للإضاءة. ثم أنه تعالى أخبرنا أن عملية نفح الروح منه جل وعلا تتكرر عند خلقه لكل واحد من نسل آدم حيث قال «الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلًا ما تشكرون» . وهذا لا يعني أن شيئًا ماديًا أو جوهرًا نورانيًا قد جرى في جسم الإنسان كسريان الماء في العود أو الزيت في الزيتون ولا يعني أن الإنسان قد حل فيه جزء من ذات الله كما أن تسلط القوة الكهربائية على الأسلاك لا يعني أن الكهرباء قد حلت فيها وصيرتها جزءًا منها، بدليل أن السلك الذي فيه الكهرباء لا يزيد وزنه عن السلك الخالي منها بل إن البطارية الفارغة، لا يزيد وزنها إذا شحنت بقوة الكهرباء. فالروح على العموم إنما يراد بها قوة الله التي إذا تسلطت على الأجسام وهبتها الحياة، وتطلق على الوحي الذي إذا نزل على الأنبياء وهبهم خوارق العادات أو العلم بما هو فوق مستوى سائر المخلوقات فهي سر من أسراره التي لا سبيل إلى معرفة كنهها قال تعالى «وكذلك أوحينا إليك روحًا من أمرنا» . وتطلق على الإلهام الذي يلقي به الله في نفس الإنسان في قوله «يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده» . فهذه الروح التي هي القوة مشتقة من أمر الله الذي يقول عنه تعالى «إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون» وهي تسمو عن المادة وهي غير الملائكة كما يتصورون وإنما أطلقت على جبريل في قوله تعالى «نزل به الروح الأمين» . تجوزًا باعتباره هو الذي نزل بذلك الوحي من ربه كمثل قوله تعالى «واسأل القرية» بدليل أن الله تعالى قد فرق بين الروح والملك في عدة آيات حيث قال «تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر» . تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة «.

وبدليل أن الله لم يجمع الروح في القرآن بل أتى بها دائمًا بلفظ الإفراد إشارة إلى ما أسلفنا من أن الروح في الجميع واحدة، ومما يؤيد قولنا بأن الروح قوة من قوى الله الخفية أو الأمر الذي يلقي منه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت