الصفحة 238 من 1760

وبمناسبة هذا التهديد الموجه إلى الظالمين. ولما كان الإنفاق العلني قد يداخله شيء من أنواع الظلم كالرياء والمن والأذى. أراد سبحانه وتعالى أن يبين الحكم في ذلك فقال (إن تبدوا الصدقات فنعمًا) بكسر النون والعين وقرئ بفتح النون وكسر العين وقرئ بكسر النون وسكون العين (هي) وخيرًا ما فعلتم لما في ذلك من أداء للطاعة وتحدث بنعمة الله وحث للغير على المتابعة والاقتداء، ولا يحط من قيمة تلك الصدقات ولا يقلل من ثوابها إظهارها للناس لأن المؤمن في هذه الحالة إنما يؤدي أمرًا مطلوبًا منه فلا عبرة بمداخل الشيطان فيه وإلا تعذر قيام أحد بما يجب عليه من فروض كلها محل للاشتباه (وإن تخفوها) زيادة في الاحتراز (وتؤتوها) في حال إعطائها (الفقراء) عمومًا سواء كانوا مسلمين أم كفارًا (فهو خير لكم) لأن في ذلك ابتعادًا عن كل شبهة وتحرزًا من وساوس الصدر (ويكفر) الله في الحالتين بمعنى يمحو أو يستر وقرئ «نكفر» بضم النون والراء وسكون الراء وقرئ «تكفر» بضم التاء وسكون الراء وبضم التاء والراء (عنكم من سيئاتكم) بسببها متى كانت خالصة لوجه الله وسلمت من كل ما نهيتم عنه إذ العبرة بالمقاصد (والله بما تعملون) من عمل بدني أو قلبي (خبير) لا تخفى عليه الحقائق.

وعلى ذكر الصدقة وإيتائها الفقراء على العموم - وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتحرج من إعطائها لغير المؤمنين - أنزل الله قوله (ليس عليك) أيها الرسول (هداهم) أي أولئك المشركون الذين أردت حرمانهم من الصدقات لأنهم لم يؤمنوا بدينك الحق فإنك لم تؤمر بواجب الدعوة إلى الله إلا في حدود الحكمة والموعظة الحسنة، فليس لك أن تتعدى ذلك إلى حملهم على الإيمان قهرًا بالتضييق عليهم وحبس الرزق عنهم وحرمانهم من الصدقات (ولكن الله) قد قضت مشيئته أن يحيل هذا الأمر - وهو الهدى - إلى الناس أنفسهم ولهذا أنزل الكتب وأرسل الرسل ليبين لهم طريق الخير والشر وينبههم إلى ما ينفعهم وما يضرهم وأخذ على نفسه جل وعلا أن (يهدي) بالقرآن أو سواه (من يشاء) الهداية لنفسه.

ذهب المفسرون عمومًا إلى أن الضمير في يشاء عائد إلى الله وهذا مخالف لقواعد اللغة العربية التي تقتضي بإعادة الضمير إلى أقرب مذكور وهو هنا اسم الموصول. والمعنى أن الله قد قطع على نفسه عهدًا أن يهدي كل من يطلب لنفسه الهداية ويسلك السبيل إليها من الإيمان وتدبر آيات القرآن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت