الصفحة 237 من 1760

تحط به خبرًا. قال ستجدني إن شاء الله صابرًا ولا أعصي لك أمرًا. قال فإن اتبعتني فلا تسئلني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا» فقد أخبر الخضر موسى بأن هذه المعرفة لا تنال بسهولة بل لا بد لنيلها من استمرار في التعليم مع صبر وجلد على انتظار ما سيوضحه المعلم من البيانات متى تأهل الطالب لمعرفتها فلما أصر على طلب التعليم برهن له على أنه كبشر لا يستطيع التسليم وعدم الاعتراض على ما يبدو غريبًا أو مخالفًا لما يرضي الله في الظاهر إلا بعد جهد وعناء، ثم شرح له ما علمه الله من حقيقة ما لم يستطع عليه صبرًا ليمرنه على التسليم ويحثه على التأمل والمراقبة للحكم الإلهية الحقيقية من وراء هذه المظاهر الخارجية، فلا غرو إذا ما نال من أوتي الحكمة خيرًا كثيرًا في الدنيا بطمأنينة نفسه وطيب عيشه وفي الآخرة برضوان ربه وسكني جنانه (وما يذكر) أي يفطن لهذه الحقيقة وهي أن نيل الحكمة في كل شيء لا بد له من رغبة صادقة وعمل مستمر وصبر على ما هو فوق مستوى العقل البشري (إلا أولوا الألباب) الذين ينشدون الحقائق بعين مجردة من الغرض والهوى، أما غيرهم من قاصري النظر فإنهم يتصورون أن حصول العلم عند الإنسان كاف لبلوغه درجة الكمال الحقيقي والحكمة البالغة والاهتداء لأقوم السبل، فلا يعبئون بأداء واجب العبادات ولا يثابرون في طلب الحكمة إلى النهاية والحقيقة غير ذلك فالله لا يهب الحكمة إلا لمن يطلبها منه ويعمل لنيلها بكل ثبات وجلد.

بعد أن حذر الله المؤمنين من وساوس الشيطان التي يجب أن لا يؤبه بها أمام وعود الله المتكررة بمضاعفة ثواب المنفقين في الدنيا والآخرة، أخذ يؤكد لهم سبحانه وتعالى أنه لن يخفى عليه شيء من أمر تلك النفقات حتى يمكن أن يضيع عليهم ثوابها فقال (وما أنفقتم من نفقة) قليلة أو كثيرة سرًا أو علنًا خالصة أو رئاء الناس أو متبوعة بمن أو أذى (أو نذرتم من نذر) ابتغاء مرضاة الله أو تقربًا إلى سواه (فإن الله يعلمه) فيجزي ما كان خالصًا لوجهه بخير الجزاء (وما للظالمين) أنفسهم بعدم تزكيتها وتطهيرها من البخل أو من رذائل الرياء والمن والأذى والشرك، وظلم الفقراء والمساكين بمنع ما أوجبه الله لهم، وظلم الناس بترك الإنفاق في المصالح العامة (من أنصار) يدفعون عنهم في الدنيا ما قضت به سنة الله في حق أمثالهم من التدهور والإنحطاط، وفي الآخرة من العذاب الأليم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت