ليكونوا على بينة من أمرهم فقال (الشيطان) أي اعلموا أن الشيطان سوف يصدكم عن هذا السبيل و (يعدكم) بحلول (الفقر) بفتح الفاء وسكون القاف وقرئ بضم الفاء وسكون القاف وقرئ بضمها وقرئ بفتحهما بكم إذا أنتم أنفقتم مما لديكم في سبيل الله ويؤكد لكم أنه لا بد أن يأتي يوم ينضب فيه معين ما عندكم وتحتاجون فيه إلى ما أنفقتموه (ويأمركم بالفحشاء) أي البخل الذي هو من أفحش الفحش وأعظم النقائص عند العرب (والله يعدكم) أي بينما يعدكم الله في كتابه وعلى لسان رسله بعكس ذلك (مغفرة منه) في الآخرة (وفضلًا) زيادة في الرزق في هذه الدنيا، (والله واسع) في جوده وكرمه وقدرته على تنفيذ وعده (عليم) بما يفقر عباده وما يغنيهم، فلو كان الإنفاق يفقرهم لم يأمرهم به وهو سبحانه (يؤتي الحكمة) معرفة الحقائق في كل شيء (من يشاء) الحصول عليها بسلوك سبلها من البحث والاستقراء من عباده الباحثين عن سنن الكائنات والعاملين على اكتشاف أسرار جميع الموجودات ليستطيعوا التمييز بين وعد الرحمن المنطبق على العقل والمنطق ووعد الشيطان المتمشي مع شهوة النفس الأمارة بالسوء ومحض اللذة (ومن يؤت الحكمة) صوابَ الأمر من عند الله (فقد أوتي خيرًا كثيرًا) لأن معرفته للحقائق تجعله يعرف الله حق معرفته، فيعرف أنه سبحانه هو الخالق لجميع المخلوقات والمالك لأسرار كافة القوى الخفية الموجودة في طيات الأثير، ودخائل الذرات والمهيمنة على كثير من الموجودات كالروح والكهرباء، وأن جميع الحركات والسكنات مستمدة من قوته وخاضعة لمشيئته وسلطانه ومسيرة بإرادته وحسن تدبيره، ووفق أنظمته ولا يعزب عن علمه شيء في الأرض ولا في السماء، وهذه المعرفة توجب عليه توجيه مواهبه واستخدام قواه فيما خلقت له مما يرضي مولاه كما تحبب إليه الرضا بجميع ما يقضي به على حد قول القائل:
@إذا ما رأيت الله في الكل صانعًا
#رأيت جميع العالمين ملاحًا
وهذا ما يدعوه إلى الصبر على ما يبتلى به الله سبحانه والتسليم لأحكامه وتصرفاته، وهذه المعرفة تنيل صاحبها مقامًا عاليًا طمع موسى في الوصول إليه عن طريق التعليم من الخضر فقال «هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدًا؟ قال إنك لن تستطيع معي صبرًا. وكيف تصبر على ما لم