تحتها الأنهار) بحيث لا يخشى عليها من قلة المياه و (له فيها من كل الثمرات) مما لذ وطاب (وأصابه الكبر) وهو آمن مطمئن (وله ذرية ضعفاء) لا يقدرون على الكسب وكلهم عالة عليه (فأصابها) فجأة (إعصار) وهو ريح ترتفع بالتراب أو مياه البحر كأنها عمود من شأنه إقتلاع الحسنات (فيه نار) من غضب الله (فاحترقت) وأصبحت بعد لحظة أثرًا بعد عين (كذلك) وبمثل هذه الأمثلة (يبين الله لكم الآيات) والعبر لتتدبروها (لعلكم تتفكرون) فتحذرون أن تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى لئلا يكون شأنكم كشأن هذا الرجل كان مطمئنًا في الدنيا بما قدم من خيرات فإذا به في الآخرة لا يجد شيئًا من ثواب كان يأمل فيه ولكنه حرِم منه بسبب منِّه وأذاه وهو لا يشعر.
بعد أن نبه الله إلى ما يجب أن يتنزه عنه المنفق من المن والأذى أخذ يبين للمؤمنين ما ينبغي مراعاته في المبذول من الحسن والكمال ليكون الإحسان مستوفيًا ومتناسبًا مع شرف الغاية التي بذل المال من أجلها فقال (يا أيها الذين آمنوا) بالله وأيقنوا بعظيم ثوابه على ما ينفق في سبيله (أنفقوا من طيبات ما كسبتم) وتعبتم في جمعه من أموال (ومما أخرجنا لكم) بمحض كرمنا في الواقع وإن تعبتم في زرعه وحصاده في الظاهر (من الأرض) من الزرع والثمار والمعادن، لأن المرء إذا أراد أن يهدي لآخر شيئًا فهو يحرص على أن يقدم له ما يستجلب رضاه، والصدقة على الفقير إنما يقصد منها رضاء الله فيجب أن تكون مما يسر به الآخذ لها لأن في سروره رضوانه سبحانه وتعالى (ولا تيمموا) وقرئ «تأمموا» أي تقصدوا (الخبيث منه تنفقون) ذلك أن بعض المسلمين كانوا يأتون بصدقاتهم من حشف التمر وهو رديئه فنزلت هذه الآية (ولستم بآخذيه) والحال أنكم لا تأخذون ذلك الخبيث إذا قدم لكم (إلا أن تغمضوا) وقرئ بفتح الغين وتشديد الميم مكسورة (فيه) لحاجتكم إليه فتتساهلوا في أخذه على مضض منكم (واعلموا أن الله) الذي تتقربون إليه بتلك الصدقات (غني) ليس هو في حاجة إلى أموالكم حتى يستاهل في قبول الردىء منكم (حميد) يقدر قيمة الطيب إذا قدم من أجله فيجزى بأحسن منه.
بعد أن أمر الله المؤمنين بالإنفاق وبين لهم مزاياه وحبب إليهم أن يكون من أجود ما يملكون أراد أن يحذرهم من تسلط الشيطان على نفوسهم فنبههم إلى مداخله عليهم وطريقة مخادعته لهم