الصفحة 230 من 1760

وحدق النظر فيها لترى بعينك (كيف ننشزها) أي نرفعها ونركبها فوق بعضها وقرئ «نُنشزُها» بضم النون الأولى وقرئ «ننشرها» بالراء بدل الزاي أي نحييها في لحظة واحدة (ثم نكسوها لحمًا) وما لبث أن رأى عظام حماره قد تجمعت أمامه وكسيت لحمًا وعادت إليه الحياة (فلما تبين له) أنه كان مخطئًا في تصوراته الماضية بما ثبت لديه من إمكان بقاء الميت مئة عام على حاله إلى أن تعود إليه الحياة وإمكان بقاء الطعام والشراب مئة عام أيضًا دون أن يتعفن أو يتبخر، وإمكان تجمع العظام النخرة المبعثرة وكسوها لحمًا وإعادة الحياة إليها في الحال، وكل ذلك ما لم يكن يسلم به عقله من قبل. عندئذ (قال) نادمًا على ما فرط منه (أعلم) الآن علمًا يقينيًا مبنيًا على التجربة والاختبار (أن الله على كل شيء قدير) لا يتقيد سبحانه في الخلق والتكوين والحياة والموت بالأسباب والعادات والسنن والمعقولات، إذ العقول إنما تبني أحكامها على مقتضى التصورات والمرئيات وبحسب تجارب الحياة، وما في علم الله غير ذلك فأسرار الوجود وحقيقة أساس التكوين وأمر الخليقة لا يعلمه إلا الله ولا يخرج عن قوله تعالى: للشيء الذي يريده «كن فيكون» في وقته.

وبعد أن ضرب الله المثالين لمبلغ ولايته للمؤمنين أردف ذلك بهذا المثال ليبين للناس كيف يؤيد سبحانه وتعالى من تولاه ويطمئنه بدوام نصره وتثبيته فقال (وإذا قال إبراهيم) لقد أجمع المفسرون لهذه الآيات على أن إبراهيم عليه السلام أراد يومًا أن يرى بعينيه كيفية إعادة الحياة إلى الأجسام الميتة ليضم حكم العيان إلى نور الوحي والإيمان وليطمئن قلبه بوافر البرهان واتخذ الناس من هذا مثلًا يضربونه لزيادة التأكد من صحة الخبر فيقولون إن إبراهيم قد طلب هذا من ربه والمعنى أن إبراهيم كان يداخل نفسه نوع من عدم الاطمئنان الذي يحتاج معه إلى زيادة التثبت وهذا ما لم تسلم به نفسي فإبراهيم لم يكن في حاجة إلى التأكد من ذلك فهو قوي الإيمان بربه وقد عرف الله قصده ولذلك لم يره إحياء الموتى عيانًا بل علمه طريقة الإحياء والذي أراه هو أنه عندما رجع من محاجة النمروذ ظافرًا منصورًا وخلى إلى نفسه وذكر نعمة الله عليه بتخليصه من ذلك المأزق الحرج وتلقينه لتلك الحجة الدامغة عاد فاستعرض حال النمروذ وكيف أن ولاية الطاغوت له قد أخرجته من النور إلى الظلمات وجعلته يكفر بما أنعم الله عليه من الملك ويدعي الألوهية ثم كيف انصرف في أثناء المحاجة عن دعواه القدرة على إحياء الموتى ولم يصر على حصر البحث في هذه النقطة فحدثته نفسه حديثًا معقولًا هو أن هذا الطاغية لن يصبر على ما أصابه من الخذلان أمام

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت