الصفحة 229 من 1760

أن يؤدي به ذلك إلى الوصول إلى الجانب الأيمن بل إنه بقدر ما يتوغل في السير إلى جهة اليسار يبتعد عن جهة اليمين. فلولا ظلم النمروذ واتخاذه من نعمة الله عليه بالملك وسيلة للطغيان وادعاء الربوبية لهداه الله إلى الحق والاعتراف لله بالربوبية.

بعد أن ضرب الله المثل وأقام الشاهد الأول على أن ولاية الله للمؤمنين من شأنها أن تخرجهم من الظلمات إلى النور أتى بالمثال الثاني وهو يدلنا كيف يثبت الله قلوب من يتولاهم في حالة ما إذا وقعوا في ظلمات الشبه والحيرة فيخرجهم منها إلى نور الطمأنينة فقال (أو كالذي) قيل هو العزيز وقي أرمياء (مر على قرية) كانت آهلة بالسكان مزدهرة بالعمران ثم تهدمت وأقفرت وأصبحت أثرًا بعد عين لا يراها الرائي إلا (وهي خاوية على عروشها) فرثى لحالها واستبعد عودة العمران إليها (قال) في نفسه (أنى يحيي هذه) القرية (الله بعد موتها) وما أصابها من الخراب والدمار يحتاج إصلاحه إلى وفرة الأيدي العاملة في مئات السنين. ولما كان هذا القائل من المؤمنين الذين أخذ الله على نفسه ولايتهم فقد أمده ببعض حوادث نزعت من قلبه ذلك الوهم والتصور الفاسد وملأته بنور اليقين الكامل ذلك أنه ما كاد يتم قوله حتى انتزع الله روحه (فأماته الله) من وقته وظل على حاله ميتًا (مئة عام) دون أن يبلى جسمه (ثم بعثه) بإرجاع الحياة إليه مرة أخرى وخاطبه ربه (قال كم لبثت) في غفوتك هذه فظن نفسه أنه كان نائمًا (قال لبثت يومًا أو بعض يوم) فقرائن الحال لا تدل على أكثر من هذا (قال) تعالى له (بل) إنك كنت ميتًا و (لبثت مئة عام) وأنت في عالم غير عالم الأحياء ولأجل أن تتبين مبلغ قدرة الله (فانظر إلى طعامك وشرابك) الذي كان ينبغي أن يفسد بين عشية وضحاها تجدهما باقيين أيضًا معك مئة عام على حالتهما التي كانتا عليها (لم يتسنه) وقرئ «يتسن» أي لم يطرأ عليهما أي تعفن أو تبخر أو فساد برغم تطاول الزمن (وانظر) إلى جانب هذا (إلى حمارك) تجده قد مات وبلي بلاء تامًا ولم يبق منه سوى عظام بالية متناثرة تدلك على تقادم عهده بالحياة وبذلك يزول تعجبك الماضي واستبعادك إحياء الله لتلك القرية (ولنجعلك آية للناس) الذين ينكرون البعث ويتحكمون في تصرفات الله ويحاولون إخضاعها لسنن هو واضعها، وفاتهم أن واضع تلك السنن لا يعجزه تغييرها متى شاء بما هو خير منها وسيجعل الله من هذا الحديث عبرة لكل من يداخله أي اشتباه وشك في مدى قدرة الله (وانظر إلى العظام) النخرة المهشمة المتناثرة أمامك هل يمكن أن يسلم العقل بإمكان إرجاع الحياة إليها، تأملها جيدًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت