الصفحة 228 من 1760

وتجبر ولم يقنع برتبة الملكية كبقية الملوك المعاصرين له من أهل الأرض، بل تطلع إلى الألوهية واستمر في كبره وعتوه حتى نقم على إبراهيم في دعوته إياه إلى الله وتوحيده فأبى وبدأت المحاجة بينهما (إذ قال إبراهيم ربي) بفتح الياء (الذي يحيي ويميت) فهو الذي ينشيء الحياة في الأجسام بعد العدم فإذا بها تسمع وتبصر، وتتكلم سواء كان إنسانًا أو حيوانًا كما ينشيء الحياة أيضًا في النباتات، وهو الذي يملك إزالة الحياة بالموت ممن يريد، فاعترضه النمروذ و (قال) متحديًا إبراهيم عليه السلام (أنا) أيضًا (أحيي وأميت) فلكل شيء سبب، وفي استطاعتي أن أهيء الأسباب المباشرة لإيجاد الحياة والموت فيتأتى ذلك، ولما كان مثل هذا الأمر يحتاج إلى بحث لإثبات المؤثر الحقيقي في هذه الأسباب الظاهرة ويجعل ميدانًا للأخذ والرد، ويحكى أنه حدث مثل هذا بين النمروذ وشخص آخر غير إبراهيم أنكر عليه تلك القدرة فقال النمروذ إذا كنت لا تؤمن بي فإني أستطيع أن أقتلك على ملأ من الناس ثم أعيد إليك الحياة فلم يحر جوابًا، وما وسعه إلا أن يخلص نفسه من الموقف بالتظاهر بالإيمان به، أما إبراهيم فقد أنار الله بصيرته إلى جواب مختصر مقنع حيث (قال إبراهيم) للنمروذ (فإن الله يأتي بالشمس من المشرق) وهو القادر على أن يأتي بها من المغرب وسيأتي بها كذلك في آخر الزمن، فإن كنت إلهًا (فأت بها من المغرب) أي إن ربي الذي يعطي الحياة ويسلبها بقدرته وحكمته هو الذي قضت حكمته أن يطلع الشمس من هذه الجهة التي نسميها نحن بالمشرق، فإن كان لك من القدرة مثل ماله، فغير لنا هذا النظام وأت بها من الجهة المقابلة التي جرت سنته تعالى بظهورها منه (فبهت) بضم الباء وكسر الهاء أي دهش وسكت متحيرًا (الذي) هو النمروذ (كفر) لأنه كان يعلم في سره أنه لا بد لهذا النظام العجيب من متصرف قدير، فلما أن ضرب له إبراهيم على هذه النغمة أدرك حقيقة الأمر، وأحس بصلة إبراهيم بمولاه خشي إذا هو أحرجه وطالبه بتغيير الله لهذا النظام تأييدًا لدعوته أن ينفذ ذلك لأن الواضع لهذا النظام قادر على تغييره فيخرج هو من المحاجة مخذولًا، بل إنه لا يعجزه القضاء عليه في الحال ويذهب في خبر كان وهو يعرف عن نفسه أنه ليس بإله وأنه مخلوق ضعيف، فسقط في يده وسحب نفسه من المحاجة (و) لكنه لم يؤمن لأن (الله) قد قضت سننه الإلهية أن (لا يهدي) إلى الإيمان به (القوم الظالمين) الذين يستعملون مواهبهم في غير ما خلقت له، فإن من اتبع طريق الضلال لا يمكن أن يؤدي به ذلك إلا إلى منتهى الضلال والخسران، كما أن من سار متجهًا إلى الجانب الأيسر لا يمكن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت