الدين بحاجة إلى إجبار الناس على الدخول فيه (فمن يكفر بالطاغوت) فالذي يجحد الضلالات أيا كان مصدرها لما يشعر فيها من خطأ فاحش ويخشى ما يترتب عليها من الحرمان من اتباع الحق الذي فيه النجاة وهو الإيمان، فلم يستسلم للعادات والتقاليد التي جرى عليها الآباء، ولم ينزل بها الله من سلطان (ويؤمن بالله) فلا يعبد إلا إياه، ولا يرجو غيره، ولا يخاف سواه (فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها) أي فقد اعتصم بأوثق العرى التي لا يخشى عليها من القطع لأن ذلك هو أساس الدين الإسلامي (والله سميع) لأقوال العباد (عليم) بما في قلوبهم (الله ولي الذين آمنوا) أي فمن كان صادقًا في دعوى الإيمان بالله والكفر بالطاغوت تولاه الله برعايته السامية والذين يتولاهم الله (يخرجهم) ينقذهم بحسن توفيقه وإرشاده (من الظلمات) التي هي طريق الغواية مما يزينه لهم إبليس وجنوده (الى النور) أي الحق من دين الإسلام، فلن يضلوا ولن يفتنوا في دينهم إلى أن يلاقوا ربهم (والذين كفروا) بالله ظاهرًا وباطنًا أو باطنًا فقط (أولياؤهم الطاغوت) رءوس الضلال الذين يجرونهم إلى مهاوي جهنم، وهم الذين اتبعوهم وأطاعوهم من دون الله وهؤلاء من شأنهم أنهم (يخرجونهم) بإغوائهم وتغريرهم وبدعهم (من النور) أي يحرمونهم من الاستفادة بالهدي الإلهي (إلى الظلمات) وهي مهاوي الضلال كالشرك واتباع الأهواء (أولئك) الذين كفروا بالله واتبعوا الطاغوت (أصحاب النار) الذين خلقت النار من أجلهم لمعاقبتهم ولذلك (هم فيها) يوم القيامة (خالدون) دائمون إلى ما لا نهاية عقوبة لهم على الكفر بالله وإتباع الطاغوت.
بعد أن أخبر الله في الآية السابقة أن ولايته للمؤمنين من شأنها أن تخرجهم من الظلمات إلى النور وولاية غيره للكافرين من شأنها أن تخرجهم من النور إلى الظلمات أقام سبحانه على ذلك ثلاثة شواهد تدل على مبلغ تثبيت الله لمن يتولاه وتأييده بالحجج القوية التي يخذل بها خصمه ويجعله يتردى في ظلمات الشكوك والأوهام التي تؤدي به إلى مهاوي الهلاك والدمار باستسلامه لولاية الطاغوت، وأول تلك الشواهد قوله: (ألم تر إلى) لفت النظر بصيغة الاستفهام إلى نبي الله محمد عن أمر (الذي حاج إبراهيم) جادل إبراهيم عليه السلام وهو نمروذ بن كنعان أحد الملوك بأرض العراق (في ربه) في أمر ربه وهو ضمير عائد على رب إبراهيم عليه السلام حيث ادعى لنفسه الربوبية بسبب (أن آتاه الله الملك) فبغى في الأرض بغير الحق وتملكه الغرور والكبرياء، فطغى