ما بين أيديهم وما خلفهم) فماذا يقول الشفيع في شفاعته؟ (ولا يحيطون بشيء من علمه) أي وهم لا يدركون ما يعلم الله من أسرار عباده الخفية التي توجب الجزاء، أو تستدعي العقاب (إلا بما شاء) من الأمر الذي يشاء الله إعلامهم به من تعلق إرادته بالعفو عمن يريد من عباده لمحض الرحمة أو لسبب خفي سابق صادر منه كالتوبة أو وجود الصلة وحسن النية وتوفر الثقة، فيأذن الله لمن شاء بالشفاعة لهم بطلب الرحمة والغفران، ولقد وعد الله نبيه بهذه الشفاعة ولهذا روى في الحديث: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» كما روي عنه أن جميع الرسل يوم القيامة يحجمون عن الشفاعة إلا هو صلى الله عليه وسلم فإن الله يلهمه من محامده وحسن الثناء عليه شيئًا لم يفتحه لأحد قبله فيأتي ويقع ساجدًا لربه تحت العرش ويتلو ما فتح الله به عليه فيقال له ارفع رأسك أسأل تعط واشفع تشفع. (وسع كرسيه) قاعدة ملكه (السموات والأرض) لعظمته وسمو مكانته، فهما وما فيهما تحت قبضته، وفي حراسته (ولا يؤوده) أي لا يشق عليه (حفظهما) بالحالة التي أنشئتا من أجلها وعلى مقتضى النظم التي رسمت لهما في سيرهما حرصًا عليهما وما فيهما من المخلوقات ورحمة منه وإشفاقًا وتفضلًا وإحسانًا، فهو أرحم بعباده من جميع الراحمين دون حاجة إلى شفاعة الشافعين (وهو العلي) الذي تتضاءل أمام عليائه سيئات الأعمال وعظائم الذنوب (العظيم) صاحب القدرة والإرادة العامة النافذة من غير شريك، ولا منازع فهو المنفرد بالألوهية والوحدانية، فليس من المنطق الصحيح، ولا من العقل الراجح أن يتقاعس الإنسان عن أداء الواجبات ويمعن في ارتكاب المحرمات اعتمادًا على شفاعة الشفعاء لنيل الرضا والغفران.
بعد أن ذكر الله المؤمنين في الآية السابقة بذاته العلية ليخلصوا له العبادة وينتهوا عن كل ما يؤدي إلى الشرك من الأمل في غير الله وانتظار النفع من سواه حتى ولو بطريق الشفاعة، أراد أن يفهمهم حقيقة أخرى هي أن عدل الله الذي لم يسمح بشفاعة أحد في حكمه لم يكره الناس على اتباع دينه بل جعل الناس أحرارًا فيما يتخيرون فقال (لا إكراه في الدين) أي لا يمكن ولا يتصور أن يكون في الدين إكراه لأن الإيمان هو أساس الدين وهو عبارة عن اليقين وإقناع النفس، ويستحيل أن يكون هذا بالإلزام والإكراه وإنما يكون بالدليل والبرهان، ولما كان الإسلام قائمًا على أساس الحجج والآيات بعيدًا عن التأثير بخوارق العادات. قال تعالى: بعد نفي الإكراه (قد تبين) ظهر الآن بما جئت به أيها الرسول من شريعة الإسلام (الرشد من الغي) والصواب من الخطأ فلم يعد