قال (من ذا الذي يشفع عنده) أي مَنْ من الناس يجد في نفسه أهلية لأن يشفع لأحد عنده حتى يمكن الاعتماد على شفاعته في نيل الغفران، ودخول الجنان وقد سبق أن تشفع نبي الله نوح في ابنه في هذه الحياة الدنيا وقال: «رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين» فرد الله شفاعته، إذ قال «يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين» واستغفر الرسول صلى الله عليه وسلم في حياته للذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات فقال له تعالى «استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله والله لا يهدي القوم الفاسقين» وقال الله أيضًا «ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم. وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم» وقد ورد في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ليردن على الحوض رجال حتى إذا رفعوا إلي اختلجوا دوني فلأقولن أي رب أصحابي أصحابي فليقولن لي إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول سحقًا لمن بدل بعدي» (إلا بإذنه) أي لمن يأذن له الله بها، ذلك أن سيئات الناس يوم القيامة لا بد أن ترجح على حسناتهم مهما حرصوا على طاعة الله. فلا سبيل إلى دخولهم الجنة إلا أن يشملهم الله برحمته فيوعز إلي من يريد من خلقه بالشفاعة لهم لمحض رحمته بهم من تلقاء نفسه لا لأن الشفيع قد تشفع لهم وأبدى من الأسباب ما يستحقون معه الرحمة والتجاوز عن السيئات وهذه هي الشفاعة التي وعد الله نبينا محمدًا بها يوم القيامة ولذا قال له تعالى «وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين» .
أي رحمة لهم في الدنيا بما جئت به من دين قويم ورحمة في الآخرة إذا وعدك الله بالشفاعة لمن يريد الله رحمته فجعل منك سبيلًا لنجاة كثير من خلقه وقد قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة فأمسك عنده تسعًا وتسعين رحمة وأرسل في خلقه كلهم رحمة واحدة فبها تعطف الوالدة على ولدها والوحش والطير بعضها على بعض فلو يعلم الكافر بكل الذي عند الله من الرحمة لم ييأس من الجنة ولو يعلم المؤمن بالذي عند الله من عذاب لم ييأس من النار» أما الشفاعة على إطلاقها وبمعناها المعروف من التوسط في إقناع الشفيع المشفوع عنده بما لم يكن يعلمه من أمر المشفوع له وما يستحقه من عطف وعفو فهذا ما لا يجرؤ عليه أحد لأنه تعالى (يعلم